فهرس الكتاب
وهكذا فإن النهي عن شيء أمرٌ آخر غير الصحّة والبطلان كما يقول الغزالي (1) ، وتحكيم النيّات من خلال القرائن أمرٌ مضطرب عسير المنال، وذلك أن القرائن غير منضبطة، فأنّى للقرافي أنه يقول: (من عُلِم منه تعمّد الفساد، حمِلَ عقده عليه وإلا أمضى) !! إنه لم يملك إلا أن يتبع قوله ذلك بما هو عملي، فيقول: ( فإن اختلفت العادة منع الجميع ) (2) ذلك أنه لا يمكن العلم بالنيّة على اليقين في عقدٍ ما. ثم إن احُتجّ بالقصد الغالب كما يقول المالكية، لظلم ذو القصد السليم، ولما عَدِمَ أهل التحَيّلُ طُرقًا أخرى يصلون بها إلى مآربهم، يفرّون من حيلة إلى أخرى، فلو قيل بفساد كل ما سلكوه، لضاق على الناس أمرهم، ولأُخِذَ صالحوهم بجريرة طالحيهم.
أمّا ما أورده المالكيّة من أدلّة فإنما يصلح شاهدًا على الثواب والعقاب الأخروي،لا على فساد التصرّف في الدنيا، إلا بعض أدلةٍ صيغها تقتضي إبطال عقودٍ نُصَّ عليها منها:
حديث (( قاتل الله اليهود.. ) )إذ يقتضي هذا الحديث فسخ عقد البيع الذي تمَّ مادام اليهود قد استحقوا عليه اللعنة والحرب من الله تعالى،إلا أنه يمكن الردّ على الاستشهاد بهذا الحديث بالقول بأنهم استحقوا اللعنة لأمرٍ امتحنوا به تعبدًا، فكانت اللعنة لمخالفتهم أمرًا ابتلاهم الله وتعالى وتعبدهم به، لا صلة له بما يكون بين العباد من معاملات.
(1) المستصفى: للغزالي: 2/36.
(2) الفروق للقرافي: 3/268