فهرس الكتاب
الأمر الثاني: ما يكون بين العباد من معاملات كبيع وشراء وزواج وعقود، فهذا لا خلاف بأن مدار الثواب والعقاب عند الله سبحانه وتعالى فيه على النيّة، وذلك أن جميع الأعمال منوطة بالنية كما في الحديث الشريف (( إنّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى 000 ) ) (1) . ولكنْ الحكم على عملٍ ما بالصحة أو لفساد في الدنيا شيء آخر غير الثواب والعقاب، فإطلاق الحكم بالفساد على أمرٍ ما بناءً على النيّة رجم بالغيب، إذ أمر النيّة الحقيقيّة من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جلَّ وعلا، فنحكم في الدنيا بحسب الظاهر، ونوكل الباطن إليه سبحانه وتعالى. وهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به، إنّما يتميّز عن الشرائع الوضعية بأنه لا يمكن التحيُّل عليه حقيقةً، فالمتحيّلُ القاصد للإثم سيلقى جزاءه عاجلًا أو آجلًا، إن لم يلقه في الدنيا ولم يغفر الله تعالى له، لقيه في الآخرة، إذ ما جعلت الآخرة إلا للحساب والجزاء. أمّا الشرائع الدنيوية فيمكن التحيُّلُ عليها والنجاء من مؤيداتها حقيقةً، إذ لا مؤيدات لها إلا في هذه الدنيا، ومن فرَّ منها فرَّ لا إلى عقاب فيها.
(1) سبق ذكره وتخريجه ص (158) .