الصفحة 173 من 221

فالمبالغة في الذرائع التي عُرِف بها الإمام مالك مأخذ عليه، فقد قسّم الذرائع تقسيمات كثيرة قال في بعضها بالمنع، وفي بعضها بالكراهة، وفي بعضها بالجواز، فبلغ قوله في الذرائع نحوًا جعل الذريعة البعيدة التي من شأنها ألاّ توصل إلى المحرّم إلاّ نادرًا معمولًا بها، وهو ما أخذه عليه كثير من الفقهاء، إذ شرطوا للذريعة حتى يقال بها قوَّة الإفضاء إلى المحرّم، وهو ما أخذ به المجمع الفقهي في أيامنا هذه، حيث لم يأخذ بالذريعة البعيدة، واشترط للذريعة المعمول بها قطعيّة الإفضاء إلى المفسدة، أو أن يكون ذلك الإفضاء كثيرًا، وأن تكون مفسدة الفعل أرجح مما قد يترتب على اعتماد الوسيلة من المصلحة. (1)

ومن تطبيقات الإمام مالك التي تثبت إعماله للذرائع البعيدة في جانب البيوع حذر الربا: تعليله حرمة أمور كثيرة بالرّبا مع بُعد ذلك، مخالفًا الجمهور:

ـ عللَّ الإمام مالك عدم جواز كون مال المضاربة دينًا على العامل المضارب بمخافة أن يكون العامل المضارب قد أعسر بماله، فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه، فيكون الربا المنهي عنه ‍‍‍‍!! وهذا غلوٌّ في التعليل، لأن المضاربة ليس فيها ربح مضمون، بل تحتمل الخسارة، ويتحملها رب المال في مال المضاربة.

أما الجمهور، فلا يصح ذلك عندهم لأن ما يكون في الذمّة مضمونًا لا يتحوّل ويعود أمانة (2) .

(1) قرار المجمع الفقهي رقم 96/9/د9. بشأن سد الذرائع، صدر في أبو ظبي في ذي القعدة 1415هـ. الموافق إبريل 1995. انظر الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي:ص 9/657.

(2) بداية المجتهد لابن رشد (الحفيد) : 2/179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت