الصفحة 88 من 221

فكأن البائع في الصورة الأولى والثانية قد أقرض المشتري مالًا وأخذ عليه أكثر منه، وكذا المشتري في الصورة الثالثة، كأنه أقرض البائع عند حلول الأجل الأول مالًا يأخذ أكثر منه عند حلول الأجل الثاني، فأشبه ذلك قرضًا جرَّ نفعًا، وإنما السلعة واسطة أدخلت للتحليل. فحرَّم المالكية تلك الصور الثلاثة سدًَّا لذريعة الربا.

أمّا بقية الصور، فلا وجه للذرائع الربوية فيها، إذ لا يمكن مثلًا لمن يبيع ساعةً بعشرة مثلًا إلى أجل، ثم يشتريها باثني عشر حالةً أو لأجل أقلَّ من الأجل الأول أن يستفيد من هذا العمل مالًا زائدًا مقابل ما دفعه، أو أن يحصل على السيولة مقابل زيادة يدفعها لاحقًا فيفيد المشتري.

وما كان المالكية ليقولوا بتحريم تلك الصور الثلاث من بيوع الآجال، لو لم يكثر قصد الناس التوصل إلى الربا بهذه البيوع، فلمّا كثر قصد الناس بها التوصل إلى الربا، حكموا على هذه الصور الثلاث بالحرمة، حتى ولو لم يقصد العاقد فيها حقيقةً التوصل إلى الربا في بعض الأحوال، بل حقيقة البيع والشراء، وما ذاك إلا بناءً على مبدئهم بالتوسع في سد الذرائع كما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى.

يقول الشيخ محمد علي (1) في تهذيب الفروق عن بيوع الآجال المحرّمة: ( وإن كانت على صورة بيع الجائز في الظاهر إلا أنها لمّا كثر قصد الناس التوصل إلى ممنوع في الباطن كبيع وسلف، وسلف بمنفعة، منعت قياسًا على الذرائع المجمع على منعها، بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل هي الباعث على عقدها ) (2) .

(1) محمد على بن الشيخ حسين فقيه المالكية، مقدمة كتاب الفروق. لم أعثر له على ترجمة.

(2) تهذيب الفروق للشيخ محمد علي، مطبوع مع كتاب الفروق للقرافي: 3/275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت