فهرس الكتاب
الواقع أن المالكية نظروا في صور بيوع العينة فوجدوها قد جمعت إلى جانب شبهة الربا الصريح والتحيل عليه محاذير أخرى مؤيّدةً بنصوص في هذه البيوع، هذه المحاذير لا نجدها في بيوع الآجال، فتقوّى جانب التحريم في حق بيوع العينة بسببها، بل تكفَّلت بعض تلك المحاذير منفردةً بتحريم بعض صور العينة كما سيأتي، كل ذلك استدعى تمييز بيوع العينة عن بيوع الآجال. ثمَّ إن من العينة مسائل لا نصَّ فيها على الأجل، فلا يمكن أن تشملها بيوع الآجال فتنضبط بعلَّتها مع أنها محرَّمة لشبهة من شبه الربا، وذلك كما لو قال رجل لآخر: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدًا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدًا، فإننا لا نرى في هذه الصورة أجلًا، والنصّ على الأجل شرط من شروط حرمة بيوع الآجال كما سبق أن رأيناها في شروط الإمام مالك، مع ذلك، فهذه الصورة حرام لموقعها من الربا، إذ علَّل المالكية حرمتها بأن المأمور أجير على شراء السلعة للآمر بدينار لأنه إنّما اشتراها للآمر، بدليل قول الآمر: (اشتر لي) فيتحقق في المسألة اجتماع السلف وإجارة كما سبق تفصيله في صور بيع العينة المحرّمة (1) ، واجتماع الإجارة مع السلف أصل من أصول الربا كما يقول المالكية، حيث إن الإجارة نوع من البيع، وهو بيع المنافع، وبيع وسلف أصلٌ من أصول الربا كما يقول ابن رشد. (2)
أمّا تلك المحاذير التي أوجبت تفرد صورة العينة المحرّمة عن بيوع الآجال عند المالكية، فهي مما سبق أن نصَّ عليه الإمام الباجي في المنتقى:
بيعتان في بيعة. وذلك إذا أخذنا ظاهر انطباق هذه الشبهة على مسألة الباب لا مضمونها كما سيأتي.
بيع ما ليس عند البائع.
وهذه المحاذير تجمع بين خطر الغرر والجهالة والربا، على اختلاف في صورها وتفسيرها بين الفقهاء كما سيأتي.
المبحث الثاني
شبهة البيعتين في بيعة
(1) انظر ص (93) من هذا البحث.
(2) تهذيب الفروق للشيخ محمد علي ( مطبوع بهامش الفروق للقرافي ) :3/275.