وذكَرَ - سُبحانَه - أنَّ هذه البراءةَ وهذه الموالاةَ هي تفسيرُ شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، فقالَ: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ) وهي لا إلهَ إلا اللهُ، فكانَ معنى قولِه: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} هُو معنى قولِ: لا إلهَ إلا اللهُ.
(13) قولُه: (ومنها آيةُ البَقَرَةِ في الكفارِ الذينَ قالَ اللهُ فيهم: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} ) فجَعَلَ اللهُ المحبَّةَ شِرْكًا إذا أَحَبَّ شيئًا سِوى اللهِ كمَحَبَّتِه للهِ، فيكونُ مُشْرِكًا معَ اللهِ في المحبَّةِ، ولهذا يَجِبُ أنْ تكونَ محبَّةُ اللهِ خالِصَةً لا يُشَارِكُه فيها أَحَدٌ، حتى محبَّةُ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فلولا أنه رسولٌ مَا وَجَبَتْ طاعتُه ولا محبَّتُه إلا كمَا نُحِبُّ أيَّ مُؤْمِنٍ، ولا يُمْنَعُ الإنسانُ من محبةِ غيرِ اللهِ، بل له أن يحبَّ كلَّ شيءٍ تُبَاحُ محبَّتُه، كالوَلَدِ، والزوْجَةِ، ولكن لا يَجْعَلُ ذلك كمحبَّةِ اللهِ.
(14) قالَ المؤلِّفُ: (فكيف بمَن أحبَّ النِّدَّ أكبرَ مِن حبِّ اللهِ؟! وكيف بمَن لم يُحِبَّ إلا النِّدَّ وحدَه ولم يُحِبَّ اللهَ؟!)
فالأقسامُ أربعةٌ:
الأوَّلُ: أنْ يُحِبَّ اللهَ حبًّا أشَدَّ مِن غيرِه،فهذا هو التوحيدُ.
الثاني: أن يُحِبَّ غيرَ اللهِ كمحبَّةِ اللهِ، وهذا شرْكٌ.
الثالثُ:أن يحبَّ غيرَ اللهِ أشدَّ حبًّا مِن اللهِ، وهذا أعْظَمُ ممَّا قبْلَه.
الرابعُ: أن يحبَّ غيرَ اللهِ وليسَ في قلبِهِ محبَّةٌ للهِ تعالى،وهذا أعظمُ وأطَمُّ.
(15) قولُه: (ومنها: قولُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:(( مَنْ قالَ: لا إِلهَ إلا اللهُ ) )) إلخ.
إذًا:فلا بُدَّ من الكفرِ بالطاغوتِ والإيمانِ باللهِ، قالَ تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} .
قولُه: (وكَفَرَ بما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ) أي: كفَرَ بالأصنامِ، وأنكَرَ أن تكونَ عبادَتُها حقًّا، فلا يكْفي أنْ يقولَ: (لا إلهَ إلا اللهُ) ولا أعْبُدُ صَنَمًا، بل لا بدَّ أنْ يقولَ: الأصنامُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ أَكْفُرُ بها وبعبادتِها.
فمَن رضِيَ دينَ النصارَى دِينًا يَدِينون اللهَ بِه فهو كافِرٌ؛لأنَّه إذا ساوَى غيرَ دينِ الإسلامِ مع الإسلامِ فقد كذَّبَ قولَه تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} .وبهذا يكونُ كافِرًا.