فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 168

إن قول المالكي بأن في الحج ذكريات لوقائع تاريخية، يجدر بنا أن نأخذ بمثلها في المولد ونحوه، يذكرنا بقصة حدوث الشرك في الأرض وكيف بدؤه. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [1] ، قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا و لم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم ;عبدت.

قال ابن القيّم رحمه الله: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. اهـ.

الدليل الحادي والعشرون مناقشته ثم رده

ذم ذكر المالكي الدليل الحادي والعشرين بقوله:

واحد وعشرون: كل ما ذكرناه سابقًا من الوجوه في مشروعية المولد ; إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها، أما إذا اشتمل المولد على شيئ مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء، و ارتكاب المحرمات، وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد الشريف صلى الله عليه وسلم ; فهذا لا شك في تحريمه ومنعه، لما اشتمل عليه من المحرمات، لكن تحريمه حينئذ يكون عارضًا لا ذاتيًا، كما لا يخفى على من تأمل ذلك. اهـ.

هذا في الواقع ليس دليلاّ وإنما هو احتراز منه، بأن موالده لا تشتمل على الرقص والغناء والاختلاط والإسراف في الموائد، فإذا اشتمل المولد على شيئ من ذلك كان محرمًا لا لذاته ; وإنما لما اعترضه من منكر يزال، فتبقى للمولد مشروعيته، هكذا يريد المالكي ويقرر.

(1) - سورة نوح، الآية: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت