فهرس الكتاب
في الدين برعاية المصالح أو الاستحسان تشبيه في غير محله، لأن العبادات مبنية على التوقيف وخفاء العلل التفصيلية التي هي شرط في قيام القياس، وذكرنا كلامًا طويلًا للشاطبي يبين ويوضحه؟، نعم لا ندري هل الرجل في مستوى علمي يسمح لنا بمناقشته المناقشة العلمية، أم أن الرجل غاو في متاهات الابتداع والإحداث، والعمل على ابتناء قاعدة شعبية تسودها روح الغباء والجهل و الضلال والسذاجة، وطرح العقول في رفوف الزوايا، حتى يتم له الدجل والتهريج، وتقدم له آيات الإجلال والتقدير من الأقوال والأفعال.
لقد كررنا القول بأننا ملزمون بالاتباع لا بالابتداع، وأننا ملزمون بالاقتداء والاهتداء بما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأننا محذرون بلسان رسول رب العالمين، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، من لا ينطق عن الهوى، من أمرنا الله تبارك وتعالى بطاعته، وأخذ ما آتانا به: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [1] ، محذرون عن الابتداع والإحداث في الدين.
فلقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". وتأدب أصحابه بأدبه صلى الله عليه وسلم في إنكار الابتداع والحذير من الوقوع فيه، فابن مسعود رضي الله عنه يقول: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وحذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل عبادة لم يتعبّدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبّدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا، فاتقوا الله يا معشر القرآء، فخذوا بطريق من قبلكم. فلقد تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، بلغ الرسالة أتم بلاغ، وأدى الأمانة أحسن أداء، ونصح صلى الله عليه وسلم لأمته نصحًا كان تحقيقًا وتأكيدًا وتطبيقًا عمليًا، لقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [2] .
فهل بعد هذا نترك هذه المحجة البيضاء، وهذه الشريعة السمحة الكاملة لنسمع مع المالكي مقالة إبليس على لسانه؟.
(1) - سورة الحشر، الآية: 7.
(2) - سورة التوبة، الآية: 128.