فهرس الكتاب
العمل السئ أو الناقص، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح نهيت عنه حفظًا للعمل الصالح.
فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا ; قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس; ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء أنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك، فقال: فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب. أو كما قال.
مع أن مذهبه: أن زخرفه المصاحف مكروهة. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط.
وليس مقصود أحمد هذا، وإنما قصده: أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كره لأجلها.
فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا ; وإلا اعتاضوا الفساد الذي لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور، ككتب الأسماء أو الأشعار، أو حكمة فارس والروم.
فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتلمت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة. فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل. فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، وجنس الدليل وغير الدليل ; يتيسر كثيرًا. أما مراتب المعروف والمنكر ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعوا إليه، وتنكر أنكر المنكرين، وترجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين. فالمراتب ثلاث:
إحداها: العمل الصالح المشروع الذي لاكراهة فيه.
والثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.
الثالثة: ما ليس فيه صلاح أصلًا، إما لكونه تركًا للعمل مطلقًا، أو لكونه عملًا فاسدًا محضًا.
فأما الأول: فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنها وظاهرها، قولها وعملها ; في الأمور العلمية والعملية مطلقًا. فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب.