فهرس الكتاب
وغير ذلك من الآيات الكثيرة والصريحة في هذا المجال. فهو صلى الله عليه وسلم رسول من رب العالمين، أرسله الله بالرسالة، وأمره بتبليغها، ووعده الأجر العظيم لقاء ذلك، وأمره أن يبلغ الأمة أنه لا يريد منهم جزاءً ولا شكورا. ومحمد صلى الله عليه وسلم كغيره من الرسل الذين ذكر القرآن صورًا من حياتهم، وطرق تبليغهم الرسالة إلى أقوامهم، وقد كانوا يصرّحون وينادون في ملأ قومهم أنهم لا يريدون منهم جزاءً ولا شكورا، قال تعالى حكاية عن أحدهم: {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} [1] . وقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [2] .
لا شك أن لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فضلًا كبيرًا علينا معشر أمته، وأننا نحبه أكثر من محبتنا لأنفسنا وأهلينا أجمعين، إلا أن محبته صلى الله عليه وسلم ليست فيما يكره، ولا فيما يغضبه، ولا فيما يسلب عن ربه إفراده تعالى بالخلق والتدبير والعبادة.
إن محبته صلى الله عليه وسلم لا تعني رفع مقامه إلى مقام الربوبية والألوهية، مما هو محض الشرك بالله، فلقد مكث صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا يحارب الشرك بالله، ويدعو الناس إلى توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
حقًا إن إقامة المولد ليست مكافأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو في حد ذاته منكر لكونه بدعة، ليس عليها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يغضبه ويأباه صلى الله عليه وسلم، وإذا انضم إيه ما هو لازم له عند المهتمين به والمحافظين على إقامته من منكرات وشركيات وخرافات سبق منا إيضاحها ; تحوّل ذلك المنكر من أمر بدعي إلى عيد جاهلي. لو كان صلى الله عليه وسلم حيًا لجرّد سيوف القتال لمحاربتهم، فلقد أنكر صلى الله عليه وسلم على أحد أصحابه حينما قال له:"ما شاء الله وشئت"، قال:"أجعلتني لله ندًا؟ قل ما شاء الله وحده" [3] .
إن محبته صلى الله عليه وسلم تعني اتباع سنته، والتأسي به صلى الله عليه وسلم، وأخذ العبر والعظات من حياته صلى الله عليه وسلم، وحياة
(1) - سورة هود، الآية: 51.
(2) - سورة آل عمران آية: 114.
(3) - حديث رواه النسائي عن ابن عباس.