فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 168

نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [1] ، وقوله: { .. فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [2] هو ما تستحسنه عقولهم.

والثاني: قوله عليه السلام:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"وإنما يعني بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلا لو كان حسنه بالدليل الشرعي لم يكن من حسن ما يرون، إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما زعمتم، فلم يكن للحديث فائدة فدل على أن المراد ما رأوه بعقولهم.

والثالث: أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة، ولا تقدير مدة اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب ذلك إلا أن المشاحة في فعله قبيحة في العادة، فاستحسن الناس تركه، مع أنا نقطع أن الإجارة المجهولة أو مدة الاستئجار، أو مقدار المشترى إذا جهل ; فإنه ممنوع وقد استحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليل. فأنت ترى أن هذا الموضع مزلة قدم أيضًا، لمن أراد أن يبتدع فله أن يقول: إن استحسنت كذا وكذا فغيري من العلماء قد استحسن، وإذا كان كذلك فلابد من فضل اعتناء بهذا الفصل حتى لا يغتر به جاهل أو زاعم أنه عالم). ثم ذهب رحمه الله في تعريف الاستحسان ومناقشة تعاريفه المختلفة، وأقوال أهل العلم في اعتباره وشروطه. ثم قال بعد ذلك (فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما احتجوا به أولًا فإن من حد الاستحسان بأن ما يستحسنه المجتهد بفعله ويميل إليه برأيه.

فكان هؤلاء يرون هذا النوع من جملة أدلة الأحكام، ولا شك أن العقل يجوز أن يرد الشرع بذلك، بل يجوز أن يرد بأن ماسبق إلى أوهام العوام مثلًا، فهو حكم الله عليهم، فيلزمهم العمل بمقتضاه، ولكن لم يقع مثل هذا ولم يعرف التبعد به لا بضرورة ولا بنظر ولا بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون، فلا يجوز إسناده لحكم الله لأنه ابتداء تشرايع من جهة العقل.

وأيضًا فإنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم، حصروا نظرهم في الوقائع التي لا نصوص فيها في الاستنباط والرد، إلى ما فهموه من الأمور الثابتة، ولم يقل أحد منهم إني حكمت في هذا بكذا، لأن طبعي مال إليه، أو لأنه يوافق محبتي وحناني، ولو قال ذلك لاشتد عليه النكير، وقيل له من أين لك أن تحكم على عباد الله بمحض ميل النفس وهوى القلب هذا مقطوع ببطلانه.

(1) - سورة الزمر، الآية: 23.

(2) - سورة الزمر، الآية: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت