فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 168

فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة صريحة في مشروعية قيام الليل، وأدائها جماعة، وإذا كان عمر رضي الله عنه قد جمع الناس وراء قارئ واحد، فقد اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أن حديث عائشة رضي الله عنها صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالمسلمين قيام رمضان، إلا أنه لم يداوم على ذلك خشية أن يُفرض عليهم، فلما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي، واستقرت الشريعة، وصار الأمن مما كان يخشاه صلى الله عليه وسلم من فرضه على الأمة ; أنفذ عمر رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع الناس وراء إمام واحد. فهل في هذا الإجراء من الخليفة الراشد المأمورين باتباع سنته مشابهة لما ابتدعه القرامطة والفاطميون من الاحتفالات بذكرى المولد وغيره؟ سبحانك هذا ضلال مبين.

الوقفة الرابعة: عند اعتباره تصنيف العلوم النافعة، وحرب الكفار بالمعدات الحديثة، والأذان على المنابر، واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، اتخاذ ذلك بدعة.

لقد سبقت منا مناقشة هذا الاعتبار في الدليل الخامس عشر، وقد مللنا التكرار، فيغني ذلك عن إعادته. إلا أننا نذكر المالكي حينما يرى أن محاربة الكفار بالمعدات الحديثة بدعة، نذكره بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [1] ، فهل يكون في امتثال أمر الله ابتداع؟

رحمك الله أيها الشاطبي، فقد أكدت لنا القول بان أهل البدع لا يستطيعون المناظرة مع أهل العلم لفقرهم إلى ما يسندهم في بدعهم من الأدلة الموجبة للإقناع.

الوقفة الخامسة: عند قوله: ويصرح بهذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات، التي لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلم.

ونقول للمالكي إن كان قصدك من هذا جمع القرآن ونشره، وجعل الناس وراء إمام واحد في قيام رمضان، وقتال أهل الردة ; فقد مرت الإجابة عن ذلك بما يغنى عن إعادته، وإن كان القصد أن الصحابة والتابعين قد أحدثوا في الدين ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فإن

(1) - سورة الأنفال، الآية: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت