فهرس الكتاب
باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ليلًا تطوعًا في شهر رمضان،. فذكر حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث جبير بن نفير عن أبي ذر المتقدميّن مما أوردنا، وذكر حديث النعمان بن بشير بسنده، قال: قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى خفنا ألا ندرك الفلاح، وكنا نسميه السحور.
وقال في باب اختيار قيام الليل على أوله:
طاووس سمع ابن عباس يقول: دعاني عمر أتغذى عنده، يعني السحر، فسمع هيعة الناس، فقال: ما هذا؟ فقلت: الناس خرجوا من المسجد، قال ما بقي من الليل أفضل مما مضى. وقال الحسن: كان الناس يصلون العشاء في شهر رمضان في زمان عمر بن الخطاب وعثمان بن عثمان ربع الليل الأول، ثم يقومون الربع الثاني، ثم يرقدون ربع الليل ويصلون فيما بين ذلك. وكان علي بن أبي طالب إذا تعشى في شهر رمضان هجع ثم يقوم إلى الصلاة فيصلي.
فهذه الآثار صريحة في أن قيام الليل غير محدد بوقت، ولا بعدد معين من الصلاة، وأن إقامة صلاة الليل جماعة سواء كان ذلك في أول الليل أووسطه أو آخره ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن تعدد أداء صلاة القيام في رمضان ثابت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تلقت الأمة ذلك بالقبول، ولم يقل أحد من أهل العلم أن قيام التهجد آخر الليل جماعة بدعة، إلا المالكي وأحزابه ممن لا يعتد بهم في قول أو عمل، ولم يكن له ولأحزابه قصد في محاربة الابتداع، وإنما قصده في ذلك التلبيس والتدليس على الأمة بمشروعية الابتداع، هداه الله وأعاده إلى الصواب. ومثّل المالكي للابتداع في زمننا بختم القرآن في قيام الليل، وهذا أيضًا مردود بالآثار الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وتابعيهم، وكلها تنص على الترغيب في تلاوة كتاب الله في قيام الليل حسبما تقتضي بذلك أحوالهم وقواهم.
ففي قيام الليل لأبي عبدالله المروزي تحت باب مقدار القرآءة في كل ركعة في قيام الليل قال ما نصه:
(السائب بن يزيد: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميم الداري أن يقوما للناس في رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمئتين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلى في فروع الفجر) ، إلى أن قال (أبو داود سأل أحمد عن الرجل يقرأ القرآن مرتين في