فهرس الكتاب
فطليعة العبارة الأولى التي مفادها نفي رتبة الاتِّباع غير صحيحةٍ، لأنَّ العلماء يفرِّقون بين مرتبة الاتِّباع والتقليد، فالاتِّباع سبيله قبول الحجَّة والانقياد للدليل، بخلاف التقليد، كما أنَّ الاتِّباع أعمُّ من الاجتهاد، فكلُّ مجتهدٍ متَّبعٌ، ولا عكس. فإذن الاتِّباع سبيلُه الدليل والعمل بالوحي، لذلك سَمَّى الله تعالى العملَ بالوحي «اتِّباعًا» في قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 3] ، وقوله تعالى: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [الأنعام: 106] ، وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155] ؛ ذلك لأنَّ حدَّ العلم: «التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به» ، فمن بان له شيءٌ فقد علمه، والمقلِّد لا علم له، وقد ذكر ابن عبد البرِّ أنهم لم يختلفوا في ذلك، وقد فرَّق الله ورسوله وأهل العلم بين التقليد والاتِّباع، كما فرَّقت الحقائق بينهما، فإنَّ الاتِّباع: «سلوك طريق المُتَّبَع والإتيانُ بمثل ما أتى به» ، وأمَّا التقليد: فهو «الرجوع إلى قولٍ لا حجَّة لقائله عليه» ، وقد فرَّق بينهما الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- حيث قال: «التقليد هو: أخذُ قول المجتهد دون معرفةٍ لدليله، وأهله هو من لا قدرة له على فهم الدليل، وهم العامَّة غير المتعاطين لعلوم الشريعة واللسان، والاتِّباعُ هو: أخذُ قول المجتهد مع معرفة دليله ومعرفة كيفية أخذه للحكم من ذلك الدليل حسب القواعد المتقدِّمة، وأهله هم المتعاطون للعلوم الشرعية واللسانية، الذين حصلت لهم مَلَكةٌ صحيحةٌ فيهما» (1) .