إن كان الصبر هو حبس النفس على الطاعة بحيث لا تتركها في سراء ولا ضراء، وحبسها عن المعصية فلا تغريها في يسر ولا في عسر، وحبسها على البلاء فلا تضجر ولا تجزع، فإن الإمام أحمد كان بذلك إمام الصابرين، وقدوتهم بحق. فقد صبر في مواطن الصبر كلها فلم يضعف ولم يهن بحال من الأحوال حتى غدا صبره في محنته مضرب الأمثال، وأغنى بمحنته تلك التي امتحن فيها ببدعة القول بخلق القرآن حيث أن الخليفة المأمون العباسي كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق ـ كما قال ابن كثير ـ وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله ـ عز وجل ـ واتفق أن خرج إلى غزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد وهو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى هذه البدعة، فلما وصل الكتاب إليه قام فاستدعى أئمة الحديث ودعاهم إلى هذا الباطل فامتنعوا فهددهم بالضرب وقطع الرواتب والأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع أحمد بن حنبل وآخر يقال له: محمد بن نوح فحملهما على بعير وسُيِّرَا إلى الخليفة، حيث أمر بهما، وكان ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب يقال له: جابر بن عامر فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا، إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت عليه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تُقْتَل، وإنك إن لم تُقتل تَمُتْ، وإن عِشْتَ عِشْتَ حميدًا، قال أحمد وكان كلامه مما قوَّى عزمي.