الصفحة 50 من 63

فإذا تعارض خبران أحدهما ناقلٌ عن الأصل والآخر مبقٍ على الأصل كان الناقل هو الذي ينبغي أن يجعل ناسخًا ، لئلا يلزم تغير الحكم مرتين ، فإذا قدر احتجامه قبل نهيه الصائم عن الحجامة لم يغير الحكم الأمر ، وإن قدر بعد ذلك لزم تغييره مرتين .

وأيضًا ، فإذا لم يكن الصوم واجبًا فقد يكون أفطر بالحجامة للحاجة ، فقد كان يفطر في صوم التطوع لما هو دون ذلك ؛ فيدخل إلى بيته ، فإن قالوا: عندنا طعام ، قال: قربوه ؛ فإني أصبحت صائمًا .

وابن عباس وإن لم يعلم ما في نفسه ، غايته أنه رآه أو أخبره من رآه أنه أصبح صائمًا واحتجم ، وهذا لا يقتضي أنهم علموا من نفسه أنه استمر صومه ، وكأن من ادعى عليه النسخ تغْلُبُ عليه هذه الحجة من وجهين: أحدهما: أنه لا حجة فيه . والثاني: أنه منسوخ .

وقد روي ما يدل على أن الفطر هو الناسخ ، ومما احتج به على النسخ: ما رواه الدارقطني: حدثنا البغوي قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا خالد بن مخلد ، عن عبد الله بن المثنى ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال: أولُ ما كرهنا الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمرَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"أفطر هذان". ثم رخَّص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجامة للصائم . وكان أنس يحتجم وهو صائم . قال الدارقطني: كلهم ثقات ، ولا أعلم له علة . قال أبو الفرج ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: خالد بن مخلد له أحاديث مناكير . قلت: ومما يدل على أن هذا من مناكيره: أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة ، مع أنه في الظاهر على شرط البخاري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت