الصفحة 100 من 6525

وأيضا فأنه قد قال فيما بعد في صفة الملائكة:"إنهم لا يصفون الله تعالى بصفات المصنوعين"، فوجب أن يحمل قوله الآن:"وكمال توحيده نفي الصفات عنه"، على صفات المخلوقين ، حملا للمطلق على المقيد .

* * * ولقائل أن يقول: لو أراد نفي صفات المخلوقين عنه لم يستدل على ذلك بدليل الغيرية ، وهو قوله:"لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف"، لان هذا الاستدلال لا ينطبق على دعوى أنه غير موصوف بصفات المخلوقين ، بل كان ينبغي أن يستدل بأن صفات المخلوقين من لوازم الجسمية والعرضية ، والبارئ ليس بجسم ولا عرض ، ونحن قد بينا أن مراده عليه السلام إبطال القول بالمعاني القديمة ، وهي المسماة بالصفات في الاصطلاح القديم ، ولهذا يسمى أصحاب المعاني بالصفاتية ، فأما كونه قادرا وعالما فأصحابها أصحاب الاحوال ، وقد بينا أن مراده عليه السلام بقوله:"ليس لصفته حد محدود"، أي لكنهه وحقيقته .

وأما كون الملائكة لا تصف البارئ بصفات المصنوعين فلا يقتضي أن يحمل كل موضوع فيه ذكر الصفات على صفات المصنوعين ، لاجل تقييد ذلك في ذكر الملائكة ، وأين هذا من باب حمل المطلق على المقيد ! ، لا سيما وقد ثبت أن التعليل والاستدلال يقضي ألا يكون المراد صفات المخلوقين .

وقد تكلف الراوندي لتطبيق تعليله عليه السلام نفي الصفات عنه بقوله:"لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف"، بكلام عجيب ، وأنا أحكي إلفاظه لتعلم ، قال: معنى هذا التعليل أن الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل ، والفاعل غير الفعل ، لان ما يوصف به الغير إنما هو الفعل ، أو معنى الفعل ، كالضارب والفهم ، فإن الفهم والضرب كلاهما فعل ، والموصوف بهما فاعل ، والدليل لا يختلف شاهدا وغائبا ، فإذا كان تعالى قديما وهذه الاجسام محدثة كانت معدومه ثم وجدت ، يدل على أنها غير الموصوف بأنه خالقها ومدبرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت