فهرس الكتاب
وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به ، ولا يطلقون عليه أنه سامع مبصر في الازل ، لان السامع المبصر هو المدرك بالفعل لا بالقوه .
وأما قوله:"متوحد إذ لا سكن يستأنس به ، ويستوحش لفقده"، ف"إذ"هاهنا ظرف ، ومعنى الكلام أن العادة والعرف إطلاق"متوحد"على من قد كان له من يستأنس بقربه ويستوحش ببعده فأنفرد عنه ، والبارئ سبحانه يطلق عليه أنه متوحد في الازل ولا موجود سواه ، وإذا صدق سلب الموجودات كلها في الازل صدق سلب ما يؤنس أو يوحش ، فتوحده سبحانه بخلاف توحد غيره .
وأما قوله عليه السلام:"أنشأ الخلق إنشاء ، وأبتدأه إبتداء"، فكلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء والبلغاء ، كقوله سبحانه:"لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب" (1) .
وقوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (2) .
وقوله:"بلا روية أجالها"، فالروية الفكرة ، وأجالها: رددها ، ومن رواه:"أحالها"بالحاء ، أراد صرفها .
وقوله:"ولا تجربة استفادها"، أي لم يكن قد خلق من قبل أجساما فحصلت له التجربة التي إعانته على خلق هذه الاجسام .
وقوله:"ولا حركة أحدثها"، فيه رد على الكرامية الذين يقولون: إنه إذا أراد أن يخلق شيئا مباينا عنه أحدث في ذاته حادثا ، يسمى الاحداث ، فوقع ذلك الشئ المباين عن ذلك المعنى المتجدد المسمى إحداثا .
وقوله:"ولا همامة نفس اضطرب فيها"، فيه رد على المجوس والثنوية القائلين بالهمامة ، ولهم فيها خبط طويل يذكره أصحاب المقالات ، وهذا يدل على صحة ما يقال: أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعرف آراء المتقدمين والمتأخرين ، ويعلم العلوم كلها ، وليس ذلك ببعيد من فضائله ومناقبه عليه السلام .
(1) سورة فاطر 35 .
(2) سورة المائدة 48 .