الصفحة 1478 من 6525

إن قيل: هذا الجواب ينبئ على أن معارف أهل الآخرة ضرورية ، لانكم أجبتم عن مسألة الشكر ، بأن الله تعالى يفعل المعارف في أهل الجنة ، فدللوا على ذلك ، بل يجب عليكم أن تدللوا أولا على أن أهل الآخرة يعرفون الله تعالى .

قيل: أما الدليل على أنهم يعرفونه تعالى ، فإن المثاب لا بد أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الذى استحقه ، ولا يصح ذلك إلا مع المعرفة بالله تعالى ، ليعلم أن ما فعله به هو الذى لمستحقه ، والقول في المعاقب كالقول في المثاب .

وأيضا فإن من شرط الثواب مقارنة التعظيم والتبجيل له من فاعل الثواب ، لان تعظيم غير فاعل الثواب لا يؤثر ، والتعظيم لا يعلم إلا مع العلم بالقصد إلى التعظيم ، ويستحيل أن يعلموا قصده تعالى ، ولا يعلموه ، والقول في العقاب وكون الاستحقاق والاهانة تقارنه تجرى هذا المجرى .

فأما بيان أن هذه المعرفة ضرورية ، فلانها لو كانت من فعلهم ، لكانت إما أن تقع عن نظر يتحرون فيه ، ويلجئون إليه أو عن تذكر نظر ، أو بأن يلجئوا إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر ، والاول باطل ، لان ذلك تكليف وفيه مشقة وقد بينا سقوط التكليف في الآخرة .

ولا يجوز أن يلجئوا إلى النظر لانهم لو ألجئوا إلى النظر لكان ألجأهم إلى المعرفة أولا ، وإلجاؤهم إلى المعرفة يمنع من إلجائهم إلى النظر ، ولا يجوز وقوعها عند تذكر النظر ، لان المتذكر للنظر يعرض له الشبه ، ويلزمه دفعها ، وفى ذلك عود الامر إلى التكليف ، وليس معاينة الآيات بمانع عن وقوع الشبه ، كما لم تمنع معاينة المعجزات والاعلام عن وقوعها ، ولا يجوز أن يكون الالجاء إلى المعرفة ، لان الالجاء إلى أفعال القلوب لا يصح إلا من الله تعالى ، فيجب أن يكون الملجأ إلى المعرفة عارفا بهذه القضية وفى ذلك استغناؤه بتقدم هذه المعرفة على الالجاء إليها .

إن قيل: إذا قلتم إنهم مضطرون إلى المعارف ، فهل تقولون إنهم مضطرون إلى الافعال ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت