الصفحة 1477 من 6525

لاجل تكاليفهم في الآخرة ، وأما المعاقبون فلو كانوا مكلفين لجاز وقوع التوبة منهم ، وسقوط العقاب بها ، وهذا معلوم فساده ضرورة من دين الرسول عليه السلام .

وهاهنا اعتراضان: أحدهما: أن يقال: فما قولكم في قوله تعالى: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم) (1) وهذا أمر وخطاب لاهل الجنة ، والامر تكليف ؟ والثانى: أن الاجماع حاصل على أن أهل الجنة يشكرون الله تعالى ، والشكر عبادة ، وذلك يستدعى استحقاق الثواب .

والجواب عن الاول أن قوله: (كلوا واشربوا) عند شيخنا أبى على رحمه الله تعالى ليس بأمر على الحقيقة ، وإن كانت له صورته ، كما في قوله تعالى: (كونوا حجارة أو حديدا) (2) .

وأما الشيخ أبو هاشم فعنده أن قوله: (كلوا واشربوا) أمر ، لكنه زائد في سرور أهل الجنة ، إذا علموا أن الله تعالى أراد منهم الاكل وأمرهم به ، ولكنه ليس بتكليف ، لان الامر إنما يكون تكليفا إذا انضمت إليه المشقة .

وأما الجواب عن الثاني ، فإن الشكر الذى بالقلب رجوعه إلى الاعتقادات ، والله تعالى يفعل في أهل الجنة المعارف كلها ، فلا وجوب إذا عليهم ، وأما الشكر باللسان فيجوز أن يكون لهم فيه لذة ، فيكون بذلك غير مناف للثواب الحاصل لهم .

وبهذا الوجه نجيب عن قول من يقول: أليس زبانية النار يعالجون أهل العذاب في جهنم ، أعاذنا الله منها ؟ وهل هذا إلا محض تكليف ! لانا نقول إنه يجوز أن يكون للزبانية في ذلك لذة عظيمة ، فلا يثبت التكليف معها ، كما لا يكون الانسان مكلفا في الدنيا بما يخلص إليه شهوته ، ولا مشقة عليه فيه .

(1) سورة الحاقة 24 (2) سورة الاسراء 50 (*)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت