الصفحة 1496 من 6525

وتعشقها ، وتطلب اللذة الجسمانية ، وتكره مفارقة الاجسام ، وتنسى نفسها ، ولما كان الباري سبحانه قائم العلم والحكمة ، اقتضت حكمته تركب الهيولى لما تعلقت النفس بها ضروبا مختلفة من التراكيب ، فجعل منها أفلاكا وعناصر وحيوانات ونباتات ، فأفاض على النفوس تعقلا وشعورا جعله سببا لتذكرها عالمها الاول ومعرفتها أنها ما دامت في هذا العالم مخالطة للهيولى لم تنفك عن الآلام ، فيصير ذلك مقتضيا شوقها إلى عالمها الاول الذى لها فيه اللذات الخالية عن الآلام ، ورفضها هذا العالم الذى هو سبب أذاها ومضرتها .

القول الثالث: قول المجوس: إن الغرض من خلق العالم أن يتحصن الخالق جل اسمه من العدو ، وأن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدو فيه ، ويجعله في ربط ووثاق ، والعدو عندهم هو الشيطان ، وبعضهم يعتقد ، قدمه وبعضهم حدوثه .

قال قوم منهم: إن البارئ تعالى استوحش ، ففكر فكرة رديئة ، فتولد منها الشيطان .

وقال آخرون: بل شك شكا رديئا ، فتولد الشيطان من شكه .

وقال آخرون: بل تولد من عفونة رديئة قديمة ، وزعموا أن الشيطان حارب البارئ سبحانه ، وكان في الظلم لم يزل بمعزل عن سلطان البارئ سبحانه ، فلم يزل يزحف حتى رأى النور ، فوثب وثبة عظيمة ، فصار في سلطان الله تعالى في النور ، وأدخل معه الآفات والبلايا والسرور ، فبنى الله سبحانه هذه الافلاك والارض والعناصر شبكة له ، وهو فيها محبوس ، لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الاول ، وصار في (1) الظلمة ، فهو أبدا يضطرب ويرمى الآفات على خلق الله سبحانه ، فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت ، ومن أصحه رماه الشيطان بالسقم ، ومن سره رماه بالحزن والكآبة ، فلا يزال كذلك ، وكل يوم ينتقص سلطانه وقوته ، لان الله تعالى يحتال له كل يوم ، ويضعفه إلى أن تذهب قوته كلها ،

(1) ج: (والظلمة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت