فهرس الكتاب
ثم جاءوا من بعدها يستقيلون ، وهيهات عثرة لا تقال ! وقد اختلف الرواة في هذه اللفظة ، فكثير من الناس رواها:"أقيلوني فلست بخيركم"، ومن الناس من أنكر هذه اللفظة ولم يروها ، وإنما روى قوله:"وليتكم ولست بخيركم".
واحتج بذلك من لم يشترط الافضلية في الامامة .
ومن رواها اعتذر لابي بكر فقال: إنما قال: أقيلوني ، ليثور (1) ما في نفوس (2) الناس من بيعته ، ويخبر ما عندهم من ولايته ، فيعلم مريدهم وكارههم ، ومحبهم ومبغضهم .
فلما رأى النفوس إليه ساكنة ، والقلوب لبيعته مذعنة ، استمر على إمارته وحكم حكم الخلفاء في رعيته ، ولم يكن منكرا منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته .
قالوا: وقد جرى مثل ذلك لعلى عيله السلام ، فإنه قال للناس بعد قتل عثمان: دعوني والتمسوا غيرى ، فأنا لكم وزيرا خير منى لكم أميرا .
وقال لهم: اتركوني ، فأنا كأحدكم ، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، فأبوا عليه وبايعوه ، فكرهها أولا ، ثم عهد بها إلى الحسن عليه السلام عند موته .
قالت الامامية: هذا غير لازم ، والفرق بين الموضعين ظاهر ، لان عليا عليه السلام لم يقل: إنى لا أصلح ، ولكنه كره الفتنة ، وأبو بكر قال كلاما معناه: إنى لا أصلح لها ، لقوله:"لست بخيركم"، ومن نفى عن نفسه صلاحيته للامامة ، لا يجوز أن يعهد بها إلى غيره .
واعلم أن الكلام في هذا الموضع مبنى على أن الافضلية هل هي شرط في الامامة أم لا ؟ وقد تكلمنا في شرح"الغرر"لشيخنا أبى الحسين (3) رحمه الله تعالى في هذا البحث بما لا يحتمله هذا الكتاب .
(1) يثور: يبحث (2) ا:"قلوب".
(3) هو أبو الحسين محمد بن على بن الطيب المتكلم المعتزلي ، توفى سنة 436 ، وكتابه"غرر الادلة"، ذكره ابن خلكان 1: 482 .