الصفحة 2013 من 6525

ثم أعاد معاني القول الاول ، فقال: إنه انشأ الاشياء بغير روية ولا فكرة ولا غريزة أضمر عليها خلق ما خلق عليها .

ولا تجربة أفادها ، أي استفادها ، من حوادث مرت عليه من قبل ، كما تكسب التجارب علوما لم تكن ، ولا بمساعدة شريك أعانه عليها ، فتم خلقه بأمره إشارة إلى قوله: (ولم يستصعب إذ أمر بالمضي) ، فلما أثبت هناك كونها أمرت أعاد لفظ الامر هاهنا ، والكل مجاز ، ومعناه نفوذ إرادته ، وأنه إذا شاء أمرا استحال ألا يقع ، وهذا المجاز هو المجاز المستعمل في قوله تعالى: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ، تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الامور له ، وانقيادها تحت قدرته .

ثم قال: ليس كالواحد منا يعترض دون مراده ريث وبطء ، وتأخير والتواء .

ثم قال: وأقام العوج وأوضح الطريق ، وجمع بين الامور المتضادة ، ألا ترى أنه جمع في بدن الحيوانات والنبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة ، من الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، ووصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها ، لان اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سبب بقاء الروح .

وفرقها أجناسا مختلفات الحدود والاقدار ، والخلق والاخلاق والاشكال ، أمور عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة ، غير محتذ بها حذو صانع سابق ، بل مخلوقة على غير مثال ، قد أحكم سبحانه صنعها ، وخلقها على موجب ما أراد ، وأخرجها من العدم المحض إلى الوجود ، وهو معنى الابتداع ، فإن الخلق في الاصطلاح النظرى على قسمين: أحدهما صورة تخلق في مادة ، والثانى مالا مادة له ، بل يكون وجود الثاني من الاول فقط من غير توسط المادة ، فالاول يسمى التكوين ، والثانى يسمى الابداع ، ومرتبة الابداع أعلى من مرتبة التكوين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت