الصفحة 206 من 6525

وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة ، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد ، ويتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده ، فمنها الكلمة التى قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله .

ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها ! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ، ولم يتحفظ منها .

وكان الاحسن أن يقول:"مغمور"أو"مغلوب بالمرض"، وحاشاه أن يعنى بها غير ذلك ! ولجفاة الاعراب من هذا الفن كثير ، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط: رب العباد ما لنا وما لكا ! قد كنت تسقينا فما بدا لكا ! أنزل علينا القطر لا أبا لكا ! فقال سليمان: أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد ، فأخرجه أحسن مخرج (1) .

وعلى نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبى صلى الله عليه وآله: أ لم تقل لنا: ستدخلونها ، في الفاظ نكره حكايتها ، حتى شكاه النبي صلى الله عليه وآله إلى أبى بكر ، وحتى قال له أبو بكر: الزم بغرزه (2) ، فو الله إنه لرسول الله .

وعمر هو الذى أغلظ على جبلة بن الايهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة ، بل مفارقة دار الاسلام كلها ، وعاد مرتدا داخلا في دين النصرانية ، لاجل لطمة لطمها .

وقال جبلة بعد ارتداده متندما على ما فعل: تنصرت الاشراف من أجل لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر ! فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى القول الذى قاله عمر * * *

(1) الخبر في الكامل 7: 145 بشرح المرصفى (2) الغرز في الاصل: ركاب الرحل ، وفى الكلام استعارة ، والمراد هنا: اتبع قوله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت