الصفحة 2263 من 6525

القرآن العزيز ، ولا يقاربها ، فليس بمستنكر منا أن نذكر كلام ابن نباتة في معرض إيرادنا كلام أمير المؤمنين عليه السلام لتظهر فضيلة كلامه عليه السلام ، بالنسبة إلى هذا الخطيب الفاضل ، الذى قد اتفق الناس على أنه أوحد عصره في فنه .

واعلم أنا لا ننكر فضل ابن نباتة وحسن أكثر خطبه ، ولكن قوما من أهل العصبية والعناد ، يزعمون أن كلامه يساوى كلام أمير المؤمنين عليه السلام ويماثله ، وقد ناظر بعضهم في ذلك ، فأحببت أن أبين للناس في هذا الكتاب أنه لا نسبة لكلامه إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنه بمنزلة شعر الابله وابن المعلم بالاضافة إلى زهير والنابغة .

* * * واعلم أن معرفة الفصيح والافصح ، والرشيق والارشق ، والحلو والاحلى ، والعالي والاعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق ، ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه ، وهو بمنزلة جاريتين: أحداهما بيضاء مشربة حمرة دقيقة الشفتين ، نقية الثغر ، كحلاء العينين ، أسيلة الخد ، دقيقة الانف ، معتدلة القامة ، والاخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن ، لكنها أحلى في العيون والقلوب منها ، وأليق وأصلح ، ولا يدرى لاى سبب كان ذلك ، ولكنه بالذوق والمشاهدة يعرف ، ولا يمكن تعليله ، وهكذا الكلام ، نعم يبقى الفرق بين الموضعين .

إن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة ، وأما الكلام فلا يعرفه إلا أهل الذوق ، وليس كل من اشتغل بالنحو واللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق ، وممن يصلح لانتقاد الكلام ، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان ، وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر ، وصارت لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت