الصفحة 2307 من 6525

ثم أمر بالعمل والعبادة ، ونهى عن الحرص على طلب الرزق ، فقال: إنكم أمرتم بالاول وضمن لكم الثاني ، فلا تجعلوا المضمون حصوله لكم هو المخصوص بالحرص والاجتهاد ، بل ينبغى أن يكون الحرص والاجتهاد فيما أمرتم بعمله وهو العبادة .

وقد يتوهم قوم أنه ارتفع"طلبه"ب‍"المضنون"، كقولك: المضروب أخوه ، وهذا غلط لانه لم يضمن طلبه ، وإنما ضمن حصوله ، ولكنه ارتفع ، لانه مبتدأ وخبره أولى ، وهذا المبتدأ والخبر في موضع نصب ، لانه خبر"يكونن"أو ارتفع لانه بدل من"المضنون"، وهذا أحسن وأولى من الوجه الاول ، وهو بدل الاشتمال .

ثم ذكر أن رجعة العمر غير مرجوة ، ورجعة الرزق مرجوة ، أوضح ذلك بأن الانسان قد يذهب منه اليوم درهم فيستعيضه ، أي يكتسب عوضه في الغد دينارا ، وأما"أمس"نفسه فمستحيل أن يعود ولا مثله ، لان الغد وبعد الغد محسوب من عمره ، وليس عوضا من الامس الذاهب .

وهذا الكلام يقتضى أن العمر مقدور ، وأن المكاسب والارزاق إنما هي بالاجتهاد ، وليست محصورة مقدرة ، وهذا يناقض في الظاهر ما تقدم من قوله:"إن الرزق مضمون فلا تحرصوا عليه"، فاحتاج الكلام إلى تأويل ، وهو أن العمر هو الظرف الذى يوقع المكلف فيه الاعمال الموجبة له السعادة العظمى ، والمخلصة له من الشقاوة العظمى ، وليس له ظرف يوقعها فيه إلا هو خاصة ، فكل جزء منه إذا فات من غير عمل لما بعد الموت ، فقد فات على الانسان بفواته ما لا سبيل له إلى استدراكه بعينه ولا اغترام مثله ، لان المثل الذى له إنما هو زمان آخر ، وليس ذلك في مقدور الانسان ، والزمان المستقبل الذى يعيش فيه الانسان لم يكتسبه هو لينسب إليه ، فيقال: إنه حصله عوضا مما انقضى وذهب من عمره ، وإنما هو فعل غيره ، ومع ذلك فهو معد ومهيأ لافعال من العبادة توقع فيه ، كما كان الجزء الماضي معدا لافعال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت