الصفحة 3321 من 6525

[ ذكر بعض احوال المنافقين بعد وفاة محمد عليه السلام ] واعلم أن هذا التقسيم صحيح وقد كان في ايام الرسول صلى الله عليه واله منافقون وبقوا بعده وليس يمكن أن يقال إن النفاق مات بموته والسبب في استتار حالهم بعده انه صلى الله عليه واله كان لا يزال بذكرهم بما ينزل عليه من القرآن فانه مشحون بذكرهم الا ترى أن اكثر ما نزل بالمدينة من القرآن مملوء بذكر المنافقين فكان السبب في انتشار ذكرهم واحوالهم وحركاتهم هو القرآن فلما انقطع الوحى بموته صلى الله عليه واله لم يبق من ينعى عليهم سقطاتهم ويوبخهم على اعمالهم ويامر بالحذر منهم ويجاهرهم تارة ويجاملهم تارة وصار المتولي للامر بعده يحمل الناس كلهم على كاهل المجاملة ويعاملهم بالظاهر وهو الواجب في حكم الشرع والسياسة الدنيوية بخلاف حال الرسول صلى الله عليه واله فانه كان تكليفه معهم غير هذا التكليف ا لا ترى انه قيل له (ولا تصل على احد منهم مات ابدا) (1) فهذا يدل على انه كان يعرفهم باعيانهم والا كان النهى له عن الصلاة عليهم تكليف ما لا يطاق والوالى بعده لا يعرفهم باعيانهم فليس مخاطبا بما خوطب به صلى الله عليه وسلم في امرهم ولسكوت الخلفاء عنهم بعده خمل ذكرهم فكان قصارى امر المنافق أن يسر ما في قلبه ويعامل المسلمين بظاهره ويعاملونه بحسب ذلك ثم فتحت عليهم البلاد وكثرت الغنائم فاشتغلوا بها عن الحركات التى كانوا يعتمدونها ايام رسول الله وبعثهم الخلفاء مع الامراء الى بلاد فارس والروم فالهتهم الدنيا عن الامور التى كانت تنقم منهم في حياة رسول الله صلى الله عليه واله ومنهم من استقام اعتقاده وخلصت نيته لما راوا الفتوح والقاء الدنيا افلاذ كبدها من الاموال العظيمة والكنوز الجليلة إليهم فقالوا لو لم يكن هذا الدين

(1) سورة التوبة 84 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت