فهرس الكتاب
عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلب ابدانهم بين ظهرانى اهل الاخرة ، ويرون اهل الدنيا يعظمون موت اجسادهم ، وهم اشد اعظاما لموت قلوب احيائهم .
الشرح: بين ظهرانى اهل الاخرة ، بفتح النون ، ولا يجوز كسرها ، ويجوز"بين ظهرى اهل الاخرة"، لو روى ، والمعنى في وسطهم .
قوله عليه السلام:"كانوا قوما من اهل الدنيا وليسوا من اهلها"، أي هم من اهلها في ظاهر الامر وفي مراى العين وليسوا من اهلها ، لانه لا رغبة عندهم في ملاذها ونعيمها ، فكأنهم خارجون عنها .
قوله:"عملوا فيها بما يبصرون"، أي بما يرونه اصلح لهم ، ويجوز أن يريد أنهم لشده اجتهادهم قد ابصروا المآل ، فعملوا فيها على حسب ما يشاهدونه من دار الجزاء ، وهذا كقوله عليه السلام:"لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا".
قوله عليه السلام:"وبادروا فيها ما يحذرون"، أي سابقوه ، يعنى الموت .
قوله عليه السلام:"تقلب ابدانهم"، هذا محمول تارة على الحقيقة ، وتارة على المجاز ، اما الاول فلانهم لا يخالطون الا اهل الدين ولا يجالسون اهل الدنيا ، واما الثاني فلانهم لما استحقوا الثواب كان الاستحقاق بمنزله وصولهم إليهم ، فابدانهم تتقلب بين ظهرانى اهل الاخرة ، أي بين ظهرانى قوم هم بمنزلة اهل الاخرة ، لان المستحق للشئ نظير لمن فعل به ذلك الشئ .
ثم قال: هؤلاء الزهاد يرون اهل الدنيا انما يستعظمون موت الابدان ، وهم اشد استعظاما لموت القلوب ، وقد تقدم من كلامنا في صفات الزهاد والعارفين ما فيه كفاية