الصفحة 4725 من 6525

العباس ، كمحمد المهدي ، وهارون ، ومحمد بن زبيدة ، وعبد الله المأمون ، وجعفر المقتدر ! بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبنى برمك وبنى الفرات ، أعظم من جود الرجلين اللذين ذكرتموهما ، بل من جميع ما جاء به خلفاء بني أمية .

وأما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك ، ولكن الوجه في هذا ألا يشتق للرجل اسم إلا من أشرف أعماله وأكرم أخلاقه ، وإلا أن يتبين بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك اسما يسمى به ، ويصير معروفا به ، كما عرف الاحنف بالحلم ، وكما عرف حاتم بالجود ، وكذلك هرم ، قالوا: هرم الجواد ، ولو قلتم: كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس ، لقلنا: ولعله يكون قد كان حليما ، ولكن ليس كل حلم يكون صاحبه به مذكورا ، ومن أشكاله بائنا .

وإنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم ، فكيف من دونه ، لان العرب تقول: أحلم الحلمين ألا يتعرض ثم يحلم ، ولم يكن في الارض رجل أكثر تعرضا من معاوية ، والتعرض هو السفه ، فإن ادعيتم أن الاخبار التى جاءت في تعرضه كلها باطلة ، فإن لقائل أن يقول: وكل خبر رويتموه في حلمه باطل ، ولقد شهر الاحنف بالحلم ، ولكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحلم ويثلم في العرض (1) ، ولا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب ولا عن الحسن بن علي بن أبى طالب لفظا فاحشا ، ولا كلمة ساقطة ، ولا حرفا واحدا مما يحكى عن الاحنف ومعاوية .

وكان المأمون أحلم الناس ، وكان عبد الله السفاح أحلم الناس .

وبعد فمن يستطيع أن يصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الاخلاق والافعال حتى يسميه بذلك ، ويخص به دون كل شئ فيه من الفضل ! وكيف وأخلاقهم متساوية ، وكلها في الغاية ! ولو أن رجلا كان أظهر الناس زهدا ، وأصدقهم للعدو لقاء ، وأصدق الناس لسانا ،

(1) يثلم في العرض ، أي ينال منه ويقع فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت