فهرس الكتاب
ولكن لا تحدث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب ، فليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام .
وكان يقال: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون ، ويحفظون أحسن ما يكتبون ، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون ، والاصدق نوع تحت جنس الاحسن .
ومنها قوله:"ولا ترد على الناس كل ما حدثوك ، فكفى بذلك جهلا"، من الجهل المبادرة بإنكار ما يسمعه ، وقال ابن سينا في آخر"الاشارات"إياك أن يكون تكيسك وتبرؤك من العامة ، هو أن تنبري منكرا لكل شئ ، فلذلك عجز وطيش ، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينة ، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وان أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك مما لم يبرهن على استحالته لك ، فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الامكان ، ما لم يذدك عنها قائم البرهان .
ومنها قوله:"واكظم الغيظ"قد مدح الله تعالى ذلك فقال: (والكاظمين الغيظ) (1) ، وروى أن عبدا لموسى بن جعفر (عليه السلام) قدم إليه صحفة فيها طعام حار ، فعجل فصبها على رأسه ووجهه ، فغضب ، فقال له: والكاظمين الغيظ ، قال: قد كظمت ، قال: (والعافين عن الناس) قال: قد عفوت ، قال (والله يحب المحسنين) (1) ، قال: أنت حر لوجه الله ، وقد نحلتك ضيعتي الفلانية .
ومنها قوله:"واحلم عند الغضب"، هذه مناسبة الاولى ، وقد تقدم منا قول كثير في الحلم وفضله ، وكذلك القول في قوله (عليه السلام) :"وتجاوز عند القدرة"، وكان يقال: القدرة تذهب الحفيظة .
(1) سورة آل عمران 134 .