الصفحة 5679 من 6525

النفس مع أنتفاء ما يشغلها عن التمتع به ، والتلذذ بمصاحبته ، والذى كان يشغلها عنه في الدنيا استغراقها في تدبير البدن ، وما تورده عليها الحواس من الامور الخارجية ، ولا ريب أن العاشق إذا خلا بمعشوقه ، وانتفت عنه أسباب الكدر ، كان في لذة عظيمة ، فهذا هو سرقوله:"وصنيع المال يزول بزواله".

فإن قلت: ما معنى قوله (عليه السلام) :"معرتة العلم دين يدان به"، وهل هذا إلا بمنزله قولك: معرفة المعرفة أو علم ! العلم وهذا كلام مضطرب .

قلت: تقديره معرفة فضل العلم أو شرف العلم ، أو وجوب العلم دين يدان به ، أي المعرفة بذلك من أمر الدين ، أي ركن من أركان الدين واجب مفروض .

ثم شرح (عليه السلام) حال العلم الذى ذكر أن معرفة وجوبه أو شرفه دين يدان به ، فقال:"العلم يكسب الانسان الطاعة في حياته"، أي من كان عالما كان لله تعالى مطيعا ، كما قال سبحانه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (1) .

ثم قال:"وجميل الاحدوثة بعد وفاته"، أي الذكر الجميل بعد موته .

ثم شرع في تفضيل العلم على المال من وجه آخر ، فقال:"العلم حاكم ، والمال محكوم عليه"، وذلك لعلمك أن مصلحتك في إنفاق هذا المال تنفقه ، ولعلمك بأن المصلحة في إمساكه تمسكه ، فالعلم بالمصلحة ، داع وبالمضرة صارف ، وهما الامران لحاكمان بالحركات والتصرفات إقداما ، وإحجاما ، ولا يكون القادر قادرا مختارا إلا باعتبارهما ، وليسا إلا عبارة عن العلم أو ما يجرى مجرى العلم من الاعتقاد والظن ، فإذن قد بان وظهر أن العلم من حيث هو علم حاكم ، وأن المال ليس بحاكم ، بل محكوم عليه .

(1) سورة فاطر 28 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت