الصفحة 5689 من 6525

ثم قال:"تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن"، هذه كلمة جليلة عظيمة يقول: هو يستيقن الحساب والثواب والعقاب ، ولا يغلب نفسه على مجانبة ومتاركة ما يفضى به إلى ذلك الخطر العظيم ، وتغلبه نفسه على السعي إلى ما يظن أن فيه لذة عاجلة ، فوا عجبا ممن يترجح عنده جانب الظن على جانب العلم ! وما ذاك إلا لضعف يقين الناس وحب العاجل .

ثم قال:"يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ، ويرجو لنفسه أكثر من عمله"، ما يزال يرى الواحد منا كذلك يقول: إنى لخائف على فلان من الذنب الفلاني وهو مقيم على أفحش من ذلك الذنب ، ويرجو لنفسه النجاة بما لا تقوم أعماله الصالحة بالمصير إلى النجاة به ، نحو أن يكون يصلى ركعات في الليل أو يصوم أياما يسيرة في الشهر ، ونحو ذلك .

قال:"إن استغنى بطر وفتن ، وإن افتقر قنط ووهن"قنط بالفتح يقنط بالكسر ، قنوطا مثل جلس يجلس جلوسا ، ويجوز قنط يقنط بالضم مثل قعد يقعد ، وفيه لغة: ثالثه قنط يقنط قنطا ، مثل تعب يتعب تعبا وقناطة فهو قنط ، وبه قرئ: (فلا تكن من القانطين) (1) ، والقنوط الياس .

ووهن الرجل يهن ، أي ضعف وهذا المعنى قد تكرر .

قال:"يقصر إذا عمل ، ويبالغ إذا سئل"، هذا مثل ما مدح به النبي (صلى الله عليه وآله) الانصار:"إنكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلون عند الطمع".

قال:"إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ، وسوف التوبه ، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة"، هذا كما قيل: أمدحه نقدا ويثيبني نسيئة ، وانفرج عن شرائط الملة ، قال: أو فعل ما يقتضى الخروج عن الدين ، وهذا موجود في كثير من الناس إذا عرته المحن كفروا أو قال: ما يقارب الكفر من التسخط والتبرم والتأفف .

(1) سورة الحجر 55 ، وهى قراءة الاعمش ويحي بن وثاب ، وانظر تفسير القرطبى 10: 36 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت