فهرس الكتاب
فأما قول من يقول: (أي ثواب في اللعن ! وإن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له: لم لعنت ؟ وإنه لو جعل مكان لعن الله فلانا ، اللهم اغفر لى لكان خيرا له ، ولو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن أبليس لم يؤاخذ بذلك) ، فكلام جاهل لا يدرى ما يقول ، اللعن طاعة ، ويستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها ، وهو أن يلعن مستحق اللعن لله وفى الله ، لا في العصبية والهوى ، ألا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفى الولد ، ونطق بها القرآن ، وهو أن يقول الزوج في الخامسة: (إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين(1 ) ) فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة وإنه قد تعبدهم بها ، لما جعلها من معالم الشرع ، ولما كررها في كثير من كتابه العزيز ، ولما قال في حق القاتل: (وغضب الله عليه ولعنه(2 ) ) ، وليس المراد من قوله: (ولعنه) إلا الامر لنا بأن نلعنه ، ولو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه ، لان الله تعالى قد لعنه ، أفيلعن الله تعالى إنسانا ولا يكون لنا أن نلعنه ! هذا ما لا يسوغ في العقل ، كما لا يجوز أن يمدح الله انسانا إلا ولنا أن نمدحه ، ولا يذمه إلا ولنا أن نذمه ، وقال تعالى: (هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله(3 ) ) ، وقال: (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) (4) ، وقال عز وجل: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا(5 ) ) .
وكيف يقول القائل: إن الله تعالى لا يقول للمكلف: لم لم تلعن ؟ ألا يعلم هذا القائل أن الله تعالى امر بولاية أوليائه ، وأمر بعداوة أعدائه ، فكما يسأل عن التولى يسأل عن التبرى ! ألا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بان يقال له: تلفظ بكلمة الشهادتين ، ثم قل: برئت
(1) سورة النور 7 .
(2) سورة النساء 93 .
(3) سورة المائدة 60 .
(4) سورة الاحزاب 68 .
(5) سورة المائدة 64 .