الصفحة 691 من 6525

حبك الشئ يعمى ويصم ، ولهذا قال بعض الصالحين: رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي ، وذاك لان الانسان يحب نفسه ، ومن أحب شيئا عمى عن عيوبه ، فلا يكاد الانسان يلمح عيب نفسه وقد قيل: أرى كل إنسان يرى عيب غيره * ويعمى عن العيب الذى هو فيه .

فلهذا استعان الصالحون على معرفة عيوبهم بأقوال غيرهم ، علما منهم أن هوى النفس لذاتها يعميها عن أن تدرك عيبها ، وما زال الهوى مرديا قتالا ، ولهذا قال سبحانه: ونهى النفس عن الهوى (1) ، وقال (ص) : ثلاث مهلكات: شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه (2) .

وأنت إذا تأملت هلاك من هلك من المتكلمين كالمجبرة والمرجئة ، مع ذكائهم وفطنتهم واشتغالهم بالعلوم ، عرفت أنه لاسبب لهلاكهم إلا هوى الانفس ، وحبهم الانتصار للمذهب الذى قد ألفوه ، وقد رأسوا بطريقة ، وصارت لهم الاتباع والتلامذة ، وأقبلت الدنيا عليهم ، وعدهم السلاطين علماء ورؤساء ، فيكرهون نقض ذلك كله وإبطاله ، ويحبون الانتصار لتلك المذاهب والاراء التى نشئوا عليها ، وعرفوا بها ، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه بطريقها ، ويخافون عار الانتقال عن المذهب ، وأن يشتفى بهم الخصوم ويقرعهم الاعداء ، ومن أنصف علم أن الذى ذكرناه حق وأما طول الامل فينسى الاخرة ، وهذا حق لان ، الذهن إذا انصرف إلى الامل ، ومد الانسان في مداه ، فإنه لا يذكر الاخرة ، بل يصير مستغرق الوقت بأحوال الدنيا ، وما يرجو حصوله منها في مستقبل الزمان .

(1) سور النازعات 40 (2) كذا أورد الحديث مختصرا ، ونقله السيوطي في الجامع الصغير (1: 236) بهذه الرواية: (ثلاث مهلكات ، وثلاث منجيات ، وثلاث كفارات ، وثلاث درجات ، فأما المهلكات فشح مطاع ، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ، أما المنجيات ..) إلى آخر الحديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت