فهرس الكتاب
واستيحاش ، وأمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم ، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا ، وأكثرهم وعظا وتذكيرا بأيام الله ومثلاته ، وأشدهم اجتهادا في العبادة ، وآدابا لنفسه في المعاملة .
وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا ، وأسفرهم وجها ، وإكثرهم بشرا ، وأوفاهم هشاشة ، وأبعدهم عن انقباض موحش ، أو خلق نافر ، أو تجهم مباعد ، أو غلظة وفظاظة تنفر معهما نفس ، أو يتكدر معهما قلب .
حتى عيب بالدعابة ، ولما لم يجدوا فيه مغمزا ولا مطعنا تعلقوا بها ، واعتمدوا في التنفير عنه عليها .
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (1) * وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة .
ومنها أن الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل بيت السيادة والرياسة أن يكون ذا كبر وتيه وتعظم وتغطرس ، خصوصا أذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في مصاص الشرف ومعدنه ومعانيه ، لا يشك عدو ولا صديق أنه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه صلوات الله عليه ، وقد حصل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة ، قد ذكرنا بعضها ، ومع ذلك فكان أشد الناس تواضعا لصغير وكبير ، وألينهم عريكة ، وأسمحهم خلقا ، وأبعدهم عن الكبر ، وأعرفهم بحق ، وكانت حاله هذه في كلا زمانيه: زمان خلافته ،
(1) "الشكاة توضع موضع العيب والذم ، وعير الرجل عبد الله بن الزبير بأمه ، فقال ابن الزبير: * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها * أراد أن تعبيره إياه بأن أمه كانت ذات النطاقين ليس بعار ."
ومعنى قوله:"ظاهر عنك عارها"، أي ناب ، أراد أن هذا ليس عارا يلزق به ، وأنه يفخر بذلك ، لانها إنما سميت ذات النطاقين ، لانه كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى إبيها وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، وكانت تنتطق بالنطاق الآخر ، وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها"."
اللسان:"19: 171"، وديوان الهذلين (1: 21) ، وهذا العجز لابي ذؤيب الهذلي ، وصدره: * وعيرها الواشون أني أحبها * (*)