فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتوقي لما يلزم توقيه فيه، و منهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه، أو تلقين يلقنه من غيره فيخلطه بحفظه، ثم لا يميزه عن أدائه إلى غيره. و منهم من همه حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها، فيتهاون بحفظ الأثر، يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الذين أدي إليه عنهم.
و كل ما قلنا من هذا في رواة الحديث [2ب] و نقال الأخبار، فهو موجود مستفيض.
و مما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ، و مراتبهم فيه، فليس من ناقل خبر و حامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - و إن كان من أحفظ الناس، و أشدهم توقيًا و اتقانًا لما يحفظ و ينقل - إلا الغلط و السهو ممكن في حفظه و نقله، فكيف بمن وصفت لك ممن (3ب) طريقة الغفلة و السهولة في ذلك.
ثم أول ما أذكر لك بعد ما وصفت، مما يجب عليك معرفته، قبل ذكري لك ما سألت من الأحاديث السمة التي تعرف بها خطأ المخطئ في الحديث و صواب غيره إذا أصاب فيه.
فأعلم ، أرشدك الله إن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث - إذا هم اختلفوا فيه - من جهتين:
أحدهما: أن ينقل الناقل حديثًا بإسناد فينسب رجلًا مشهورًا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم.
كنعمان بن راشد حيث حدث عن الزهري، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة. و معلوم عند عوام أهل العمل أن اسم أبي الطفيل: عامر لا عمرو.
و كما حدث مالك بن أنس عن الزهري فقال: عن عباد - و هو من ولد المغيرة بن شعبة- و إنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان. معروف النسب عند أهل النسب و ليس من المغيرة بسبيل.
و كرواية معمر حين قال: عن عمر بن محمد بن عمرو بن مطعم، و إنما هو عمر ابن محمد بن جبير بن مطعم، خطأ لا شك عند نساب قريش و غيرهم ممن عرف أنسابهم. و لم يكن لجبير أخ يعرف بعمرو.