فصانع الطائرة .. مبدع لأنّه أنشأ واسطة نقل باهرة الصنع، رائعة الأداء، جميلة الهيئة .. لكنّه بالتأكيد استحضر هيئة الطير وهو يحلِّق في السماء، والطائرة قريبة الشكل من الطير .. وهكذا الذي صنع الغوّاصة والسيارة والقاطرة وأيّة واسطة أو جهاز آخر .. إذ لابدّ له من مثال يحتذيه، ومنوال ينسج عليه.
فحتى الفنان المبدع الذي يصوّر وينتج أفلام الكارتون المتحركة بهذه الهيئات الغريبة التي تجمع صفات الانسان مع خصائص الحيوان بالاضافة إلى سمات الأشجار إنّما أقام إبداعاته على كائنات موجودة .. وكلّ ما حققه أنّه جمع وآلف بينها بطريقة فنّية ..
وهذا ما يفعله الفنان الرسام أو النحات أو الشاعر والأديب فيما يبتدعونه من صور توليفية، كما لو كانوا يستعيرون للحصان أو للانسان أجنحة، ويخلعون على الانسان الحبيب أخلية من جمال موجود في الطبيعة، لكنّهم يلبسونه للانسان المحبوب ليبدو أكثر جمالًا .. أو لنتحسس ـ نحن القُرّاء أو المشاهدون أو المستمعون ـ جماله الباهر من خلال لفتات الأديب أو لمسات الفنان التي تضفي جمالًا على الواقع الذاتيّ للشخص نفسه.
منجم الطبيعة:
إنّ الفنان المبدع الذي استحوذ على إعجابك في بعض لوحاته .. وهو يصوِّر وجهًا جميلًا .. أو منظرًا رائعًا، أو مشهدًا غنيًا بتعبيراته ودلالاته، حتى لو جمع وآلف بين هذا الشكل وذاك، وهذا اللون وغيره، فهو إنّما يغمس ريشته في صور الكون وألوان الطبيعة وظلالها..
والشاعر أو الروائي الذي يأتي بصور أدبية مدهشة لا يخلق تلك الصور خلقًا وإنّما تترشح صوره من خيال ارتوى من معين الطبيعة والانسان والحياة فصبّ هذا وذاك في قالب جميل مبهر.. يقال له إبداع.