ـ وهو الإتيان بنموذج فريد في غاية الإبهار. يقول الشاعر أبو العلاء المعرّي:
وإنِّي وإن كنت الأخير زمانُه***لآت بما لم تستطعه الأوائل!!
ويقول الشاعر المتنبي المبدع في لغته وأدبه:
أنا الّذي نظر الأعمى إلى أدبي***وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
أنام ملء جفوني عن شواردها***ويسهر الخلق جرّاها ويختصموا
ـ وهناك مَن يرى أنّ (الإبداع) : هو كسر السائد والمألوف.
ـ وقد يرى آخرون أنّه اضافة شيء جديد لما اعتاد الناس على رؤيته صورة معيّنة لمدّة طويلة، أو هو تطوير لما هو موجود، وإدخال تحسينات عليه.
لكن الإبداع هو درجة أعلى من التجديد.
ـ والإبداع قد يكون (ابتكارًا) أو (اختراعًا) . وينبغي الالتفات هنا إلى أن ابتكار شيء ما أو اختراعه لا يعني عدم وجود مواده الأساسية. فعندما نقول أنّ (الخليل بن أحمد الفراهيدي) مخترع علم العروض، فإنّ الشعر سابق على العروض ومعرفة البحور الشعرية، ولكن الفراهيدي تتبع قصائد الشعراء فرأى أنّ هناك إيقاعًا أو أوزانًا موسيقية ينظم الشعراء قصائدهم عليها حتى وإن لم يعرفوا القوانين الخاصة بذلك.
وهكذا فإن قوانين الوراثة كانت موجودة قبل (مندل) لكنّه هو الذي اكتشفها.
ـ وقد يكون الإبداع هو الشيء المختلف عما هو مشهور ومعروف لدى الناس، أي أنّه في حالة خصام، أو مخالفة مع الواقع المعاش، لأنّ الواقع إنّما هو حالة استسلام للمسيرة الحياتية العامّة، أمّا الإبداع فهو الخروج عن تلك المسيرة والاندفاع بمجرى آخر في تيار متدفق بقوة أكبر.
المخالفة ليست دائمًا إبداعًا:
الإبداع هو أن تكون مختلفًا ..
هل هذه قاعدة عامّة؟
لا .. ليس كذلك.
فأنْ تقلب الموازين رأسًا على عقب .. فيفسد الذوق السليم، ويساء إلى الفضائل والقيم، فيبدو الذي يدّعي الإبداع نشازًا فيما يكتب، أو ينظم، أو يرسم، أو يرتدي، أو يتعامل، أو ينتج، على طريقة (خالف تُعرف) فهذا يمكن أن يقال عنه أيّ شيء إلاّ الإبداع.