فهرس الكتاب
وسلم بقوله (من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غُفر له ما تقدم من ذنبه) [1] .
إن كل من تحترمه من كبير أو أمير ووزير وصديق وغيرهم لا يقدر على فعل شيء لنفسه فضلًا عن غيره، وإن جرى على يديه خير فالله تعالى هو الذي أجراه على يديه، وإلا فهو لا يد له فيه ولا صنع، فاشكر القادر وحده لا شريك له.
قال الخطابي - رحمه الله - في كتابه: (شأن الدعاء) : (الوهاّب: هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير استثابة، ومعنى الهبة: التمليك بغير عوض يأخذه الواهب من الموهوب له، فكل من وهب شيئًا من عرض الدنيا لصاحبه، فهو واهب ولا يستحق أن يسمى وهّابًا إلا من تصرفت مواهبه في أنواع العطايا، فكثرت نوافله ودامت.
والمخلوقات إنما يملكون أن يهبوا مالًا، أونوالًا في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولدًا لعقيم، ولا هدى لضلال، ولا عافية لذي بلاء، والله الوهاّب - سبحانه - يملك جميع ذلك، وسع الخلق جوده ورحمته، فدامت مواهبه، واتصلت منته وعوائده. قال الخطابي: (وبلغني عن أبي عمر الزاهد صاحب أبي العباس أن بعض الوزراء أرسل إليه يستعمله مبلغَ ما يحتاج إليه لقوته كل سنة، ليجريه عليه، فقال للرسول: قل لصاحبك أنا في جراية من إذا غضب عليَّ لم يقطع جرايته عني) [2] .
إن الشكر بالقلب استحضار للنعمة فلا يغفل عن إنعام الله عليه. واعلم أنه لا يتم توحيد العبد حتى يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة عليه، وعلى غيره من الخلق، ويضيفها إلى مسديها وموليها، ويستعين بها على طاعته وملازمة خدمته.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: (الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولًا واعترافًا، وبذلك يتم التوحيد فمن أنكر نعم الله بقلبه ولسانه، فذلك كافر ليس معه من الدين شيء.
ومن أقر بقلبه أن النعم كلها من الله وحده، وهوبلسانه تارة يضيفها إلى الله، وتارة يضيفها إلى نفسه وعمله وإلى سعي غيره - كما هو جار على ألسنة كثير من الناس - فهذا يجب
(1) شفاء العليل لابن القيم ص (61) .
(2) شأن الدعاء ص (53 - 54) .