فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 99

الفصل الرابع: كيف تكون من الشاكرين؟

ذكرنا في تعريف الشكر أن حقيقة الشكر هي شكر اللسان وشكر القلب وشكر الجوارح. فالشاكر حقيقة هو من قام بهذه الأركان مع ما يكمل ذلك من محبة المشكور والخضوع له واستعمال نعمه في مرضاته. على أن الإنسان لا يمكن أن يكافئ نعم الله عليه، ولا أن يقوم بوظيفة الشكر لله تعالى، كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [النحل:18] فلا يستطيع أحد أن يحصي نعم الله تعالى، لأن أكثر النعم لا يدريها الإنسان، لأنه يألفها فلا يشعر بها إلا حين يفتقدها. وأقرب شيء إليه تركيب جسده ووظائف أعضائه وجوارحه، فهو لا يشعر بما فيه من إنعام الله إلا حين يدركه المرض فيحس بالاختلال [1] .وقد دل آخر الآية على تقصير بني آدم في شكر النعم، لأن من لا يستطيع إحصاء النعم كيف يقوم بشكرها. بل وأيُّ نعمة يعرفها قد لا يدرك حقيقتها، فكيف يقوم بشكرها التام، ولكن حسب الإنسان أن يسدد ويقارب. قال بعض العلماء: (أصبح بنا من نعم الله عز وجل ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فما ندري أيُّهما نشكر؟ أجميل ما ظَهَرَ أم قبيح ما سَتَرَ؟) [2] .

وأتكلم الآن بشيء من التفصيل على أركان الشكر الثلاثة لتتضح لنا حقيقة الشكر. لعلنا نكون من الشاكرين.

1 -شكر القلب:

هو معرفة القلب وإقراره بأن ما بالعبد من نعمة فهو من الله تعالى على عبده وأن ذلك إحسان من المنعم جل وعلا وتفضل على عبده، وأنه لا حول له ولا قوة، بل إن وصولها إليه بغير استحقاق منه ولا بذل ثمن، فعليه أن يتلقاها بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأن يستكثر قليلها عليه، ويستقلَّ كثير شكره عليها قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل::53] .

فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله تعالى هو الذي منحك النعمة لا أحد سواه يشاركه، فلا يقول الإنسان كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] بل يقول ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه

(1) انظر: في ظلال القرآن (5/ 294) .

(2) كتاب الشكر ص (66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت