المحدثين. وبمقابل هذا، فقد قام الفتح بن خاقان (وفاته سنة 247 هـ/ 861 م) بتأسيس خزانة الحكمة. ويشير ابن النديم إلى ضخامة هذه المكتبة (الفهرست، نشر ك. فلوجل، لايبزك، 1871 م، ص. 143) .
... ثم قام الأغالبة بتأسيس المكتبات الكبيرة ومراكز العلم المعروفة بدار العلم في أفريقيا أواخر القرن الثالث/ التاسع. وقام جعفر بن حمدان (وفاته سنة 323 هـ/ 934 م) في الموصل بداية القرن الرابع/ العاشر. وكذلك قام شابور بن أردشير عام 383 هـ/ 993 م بتأسيس دور علم مماثلة. وتعتبر دار العلم التي أسسها الفاطميون في القاهرة بتاريخ 10 جمادى الآخرة 395 هـ/ 24 مارس 1005 م من أشهر هذه الدور، حيث نقلت كتب قيمة في كل المواضيع من القصر ومن الأماكن الأخرى إلى هذه الدار، فأصبحت مكتبة غنية. وقد عين موظفون مختصون للنظر في شؤون الدار ولاستنساخ الكتب. وكان العلماء يترددون إلى هذه الدار لمراجعة الكتب في المجالات التي يريدونها؛ كما كان باستطاعتهم استنساخ هذه الكتب. ولم تمض فترة طويلة حتى تأسست نماذج مصغرة لدار العلم هذه في كل من حلب والقدس ودمشق وطرابلس الشام (انظر: المقريزي، الخطط، ج 1، ص. 460؛ ج 2، ص. 342؛ د. سوردل، »دار الحكمة«، الموسوعة الإسلامية، ص. 130؛ وانظر أيضًا: Y. Eche,. Les (Bibliotheques arabes publiques et semi-publiques, Damas, 1967, p. 50, 120, 332.
... وبالإضافة إلى دار العلم، فقد كانت توجد مكتبة غنية في القصر الفاطمي في القاهرة. وكانت هذه المكتبة تضم أربعين قسمًا، وكان أحد هذه الأقسام يحتوي على الكتب الخاصة بعلوم الأوائل، ويضم 18.000 مجلد. وكان 100.000 مجلد من الكتب الموجودة في هذه المكتبة مكتوبًا بالخط المنسوب (انظر: الخطط، ج 1، صص. 408 ـ 409) . وقد تطرق يوسف إكه (Yusuf Eche) في كتابه المذكور أعلاه إلى هذا النوع من المكتبات التي تأسست في العراق والشام ومصر.
... وكان صوان الحكمة الذي أسسه السامانيون في قصرهم في بخارى، وكذلك المكتبات التي تأسست في قصور أمويي الأندلس في قرطبة ذات قيمة كبيرة. وقد استفاد ابن سينا من صوان الحكمة. وكان فهرس مكتبة القصر التي أسسها الحكم الثاني في قرطبة يتألف من 44 دفترًا (انظر: المقّري، نفح الطيب، ج 1، ص. 362) . وقد أولى الأيوبيون أيضًا أهمية كبيرة للعلم والتربية. وقد ساهم العلماء ورجال الدولة في هذا العهد بتأسيس مجموعات مختلفة من المخطوطات في المساجد والمدارس والمستشفيات والزوايا. وبقي من مكتبة القصر الفاطمي في هذه الفترة حوالي 120.000 مجلد. ويقول عماد الدين الكاتب بأن هذه الكتب قد بيعت بتشجيع تجار الكتب (انظر: البنداري، سناء البرق الشامي، نشر رمضان ششن، بيروت، 1971، ج 1، صص. 234 ـ 236) . وقد قام بشراء بعض هذه المجموعة التي كانت تضم كتبًا قيمة جدًا علماء ذلك العهد مثل القاضي الفاضل وشقيقه عبد الكريم (وفاته سنة 621 هـ/ 1224 م) وتاج الدين أبو اليمن الكندي (وفاته سنة 613 هـ/ 1217 م) ، وعماد الدين. وتقول الروايات إن مكتبة القاضي وشقيقه كانت تضم 120.000 ـ 200.000 مجلد. وبالإضافة إلى ذلك، كانت توجد مجموعات كبيرة وصغيرة في الجامع الكبير بحلب والجامع الكبير في آمد، وفي حماه ومستشفى نور الدين في دمشق، وفي ضريح الملك الأشرف، وفي مختلف المدارس والزوايا والمساجد (انظر: صلاح الدين المنجد، قواعد فهرسة