(الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، فإن عاينت الموت ووقعت في النزاع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فأعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب فألقها في نهر دجلة ليلا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يديك فأعلم أنها قبلت ، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة.
قال ذلك الشخص:
فلما قارب الموت ووضعت يدي في يده، فبسطها ولم يقبض على يدي ، فعلمت أنها علامة القبول فأظهرت كتبه بعده).
وقبله كان الإمام الشافعي- رحمه الله- يقول:
(وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شيء منه أبدًا، فأوجر عليه ولا يحمدوني) .
فالإمام الشافعي -رحمه الله- يظن أن حمد الناس به منقصة للأجر، ونقص من صفة الخفاء، تلك الصفة التي عشقت منهم -رحمهم الله تعالى- .
وينقل الذهبي أيضا في السير قول هشام الدستوائي، -واسمع لهذا القول- يقول هشام:
(والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث، أريد به وجه الله عز وجل) .
سبحان الله!! القائل هشام الدستوائي!
يقول الذهبي معلقا على هذا الكلام:
(والله ولا أنا، فقد كان السلف يطلبون العلم لله، وحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق) .
إلى آخر كلامه الجميل في السير، في ج7ص52، لمن أراد أن يرجع إليه.
فإذا كان هذا كلام هشام، وكلام الذهبي - رحمهما الله تعالى ورضي عنهما - فماذا يقول إذا طلاب العلم اليوم؟
بل ماذا يقول المتعلمون أمثالنا في مثل هذه المواقف منهم رحمهم الله تعالى؟
ويصل الخفاء منتهاه عند أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله تعالى ورضي عنه- قال محمد بن منصور:
كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري.
رفع إنسان قذاة من لحيته، وطرحها إلى الأرض، أي في المسجد.
فرأيت البخاري، (أنظر إلى حركة البخاري) ينظر إليها أي القذاة من الأرض، فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أحرجها وطرحها إلى الأرض.