الصفحة 188 من 789

وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتَّى أشادوا بذكر ذلك على المنابروأُلقِيَ إلى معلِّمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتَّى رووه وتعلَّموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علَّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عُمَّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:

(انظروا من قامت عليه البيِّنة أنَّه يحبُّ عليًَّا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه) .

وشفع ذلك بنسخة أُخرى:

(من إتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به واهدموا داره) .

فلم يكن البلاء أشدُّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيَّما بالكوفة، حتَّى إنَّ الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرَّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتَّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة لَيَكْتُمَنَّ عليه.

فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر.

ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة.

وكان أعظم الناس في ذلك بليَّةً القُرّاء المُراءون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقرِّبوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل.

حتى إنتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلُّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنَّها حق ولو علموا أنَّها باطلة لما رووها ولا تديَّنوا بها (2) .

قال ابن أبي الحديد: وقد روي أنَّ أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيَّانا وتظاهرهم علينا وما لَقِيَ شيعتنا ومحبونا من الناس ...

وكان عُظْمُ ذلك وكُبْرهُ زمنَ معاوية بعد موت الحسن عليه السلام.

فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظِّنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت