وكان من يُذْكَر بحبِّنا والإنقطاع إلينا سُجِنَ أو نُهِب مالُه، أو هُدِمَت دارهُ، ثمَّ لم يزل البلاء يشتدُّ ويزداد إلى زمان عبيد الله قاتل الحسين عليه السلام.
ثم جاء الحجَّاج فقتلهم كلَّ قتلة وأخذهم بكلَّ ظنَّة وتهمة، حتَّى إنَّ الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبُّ إليه من أن يقال له شيعة علي.
وحتَّى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعلَّه يكون ورعًا صدوقًا يحدِّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئًا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنَّها حقٌّ لكثرة من قد رواها ممَّن لم يُعرَف بكذب ولا بقلة ورع (3) .
أقول: ومن الغريب أنَّ ابن أبي الحديد بعد أن يورد ذلك كلَّه يعقِّب عليه بقوله:
(واعلم أنَّ أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة. فإنَّهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة خصومهم، نحو:
حديث (السطل) . وحديث (الرمانة) . وحديث (غزوة البئر) التي كان فيها الشياطينوتعرف كما زعموا بـ (ذات العلم) . وحديث (غسل سلمان الفارسي وطي الأرض) . وحديث (الجمجمة) ، ونحو ذلك.
فلمَّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث:
نحو (لو كنتُ متخذًا خليلًا) ، فإنَّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء.
ونحو (سد الأبواب) فإنَّه كان لعلي عليه السلام فنقلته البكرية إلى أبي بكر.
ونحو (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه اثنان) . ثم قال: (يأبى الله تعالى والمسلمون إلاَّ أبا بكر) ، فإنَّهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه: (آئتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلُّون بعده أبدًا) ، فاختلفوا عنده. وقال قوم منهم، لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله.
ونحو حديث: (أنا راض عنك فهل أنت عنِّي راض!) . ونحو ذلك ...
فلمَّا رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث، فوضعوا: