فقال ابن عباس: كان والله أمير المؤمنين عالما بوجوه الرأي ومعاقد الحزم وتصاريف الامور من أن يقبل مشورتك في ما نهى الله عنه وعنف عليه، قال سبحانه: (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) )المجادلة22. ولقد وقفك على ذكر متين وآية متلوة قوله تعالى: (( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) )الكهف: 51.
وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين وفى المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثوق به في نفسه؟ هيهات هيهات! هو عالم بفرض الله وسنة رسوله أن يبطن خلاف مايظهر إلا للتقية، ولات حين تقية مع وضوح الحق وثبوت الجنان وكثرة الأنصار يمضي كالسيف المصلت في أمرالله موثرا لطاعة ربه والتقوى على آراء أهل الدنيا.
فقال يزيد بن معاوية: يا ابن عباس إنك لتنطق بلسان طلق ينبئ عن مكنون قلب خرق، فاطو ما أنت عليه كشحا، فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم.
فقال ابن عباس: مهلا يايزيد! فوالله ما صفت القلوب لكم منذ تكدرت عليكم، ولا دنت بالمحبة لكم مذ نأت بالبغضاء عنكم، ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت الأمس من أفعالكم، وإن بذل الأيام يستقضي ما سد عنا ويسترجع ما ابتز منا كيلا بكيل ووزنا بوزن، وإن تكن الاخرى فكفى بالله وليا لنا ووكيلا على المعتدين علينا.
فقال معاوية: إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم! وإني لخليق أن أدرك فيكم الثار وأنفي العار، فان دماءنا قبلكم وظلامتنا فيكم.
فقال ابن عباس والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك اسدا مخدرة وأفاعي مطرقة، لا يعضها كثرة السلاح ولا يقصيها نكاية الجراح، يضعون أسيافهم على عواتقهم يضربون قدما قدما من ناوأهم، يهون عليهم نباح الكلاب وعواء الذئاب لايفاتون بوتر ولا يسبقون إلى كريم ذكر قد وطنوا على الموت أنفسهم وسمت بهم إلى العلياء هممهم، كما قالت الأزدية:
قوم إذاشهدوا الهياج ... فلا ضرب ينهنهم ولازجر
وكأنهم آساد غيلة غرثت ... وبلَّ متونها القطر