فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج الاحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر الاسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديا وكانت أمه سوداء، وكان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن مكرا وكيدا وخداعا، ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوهوفرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك اشيعا وأحزابا.
هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها امور التاريخوإنما الشئ الواضح الذي ليس فيه شك هو أن ظروف الحياة الاسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى إختلاف الرأي وافتراق الاهواء ونشأة المذاهب السياسية المتباينة.
فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة النبي وسيرة صاحبيه كانوا يرون امورا تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية.
والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الامور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح، وفيها الاثرة، وفيها الامل البعيدوفيها الهم الذي لا يعرف حدا يقف عنده، وفيها من أجل هذا كله التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شئ من حولها.
وهذه الامور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه فهذه أقطار واسعة من الارض تفتح عليهم، وهذه أموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الاقطار.
فأي غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الاقطار المفتوحة والانتفاع بهذه الاموال المجموعة؟
وهذه بلاد أخرى لم تفتح وكل شئ يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟
وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاب الدنيا، ومن الاجر والمثوبة إن كانوا من طلاب الآخرة ثم مالهم جميعا لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراء العريض؟