فأجابه ابن عثيمين رحمه الله:(الذي أرى ألا تترك السكن وتبتعد عنهم لأنك إذا ابتعدت عنهم ربما يزداد تهاونهم في الصلاة وكونك تبقى معهم ترعاهم وتغلبهم أحيانًا ويغلبونك أحيانًا خير من كونك تتخلى عنهم فإن الغالب في أمثال هؤلاء أنهم إذا خلوا وأنفسهم ازدادوا تهاونًا وكسلًا ثم إنه قد يكون في تخلفك عنهم تفرق العائلة وتمزقها فالذي أشير به عليك أن تبقى معهم وأن تناصحهم وتحذرهم أحيانًا وترغبهم أحيانًا وتسأل الله لهم الهداية
انتهى).
الأحق بالحضانة للأولاد وحق ولاية البنت في الزواج:
الأم المطلقة لها حق حضانة الأطفال حتى يبلغوا سن التمييز مالم تُنكح والأب ليس له حق الحضانة مادام فاسقًا إلا أنها تصح , ولا يُترك المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه , وتصح حضانة الرقيق والفاسق والمتزوجة خصوصًا إذا رضي زوجها.
وأما حق ولاية البنت في الزواج فاعلم أن فسق الولي لا يُسقط ولايته على الراجح، ولا يصح النكاح دون إذنه ما لم يثبت عضله لموليته من نكاح الأكفاء المرضيين دينًا وخلقًا.
ما حكم اعتزال الوالدين اللذين عندهما معاص ظاهرة؟ وإذا كان اعتزالهم محرمًا، فما تأويل اعتزال إبراهيم لأبيه وهو خليل الله؟
إن كان المقصود باعتزال الوالدين اجتناب ما هم فيه من باطل ومعصية فهذا أمر واجب، قال سبحانه (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
وقال: وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا .
وإن كان المقصود باعتزال الوالدين هجرهما، فإن هجرهما لا يجوز بحال إلا إذا تعينت مقاطعتهم طريقًا لاستصلاحهم فتجوز حينئذ في حدود ضيقة على رأي بعض أهل العلم، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله) : هل يجوز الهجر للوالدين المسلمين إذا كان في مصلحة شرعية؟
فأجاب: نعم، إذا كان في هجر الوالدين مصلحة شرعية لهما فلا بأس من هجرهما، لكن لا يقتضي ذلك منع صلتهما، صلهما بما يجب عليك أن تصلهما به، كالإنفاق عليهما، في الطعام والشراب والسكن وغير ذلك
انتهى لقاء الباب المفتوح.
وأما ما وقع من إبراهيم عليه السلام هو أنه أولًا ترك ما عليه قومه من الباطل والتزم الحق، ولذلك قال فيما حكى الله عنه: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا .
قال ابن كثير في تفسيره وهو يبين معنى هذه الآية: أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، وَأَدْعُو رَبِّي أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له. اهـ.
ثم إن إبراهيم عليه السلام بعد أن رأى أباه يتوعده بقوله فيما ذكر الله عنه في كتابه: قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا .
فأجابه إبراهيم عليه السلام بقوله: قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا .
وقرر بعد ذلك أن يُهاجر بدينه لا أن يهجر والديه، كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه