فهرس الكتاب
منهما تفيدُ ما تَضَمَّنَتْهُ من الأحكامِ والمعاني [1] . أما على قراءةِ الجمهورِ: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} فالتحقيقُ أن المعنى: أن الكفارَ لا يُكذبونك.
وَاعْلَمْ أنه معروفٌ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ أن الفعلَ يُسْنَدُ إلى المجموعِ والمرادُ بعضُ المجموعِ لا جميعهم [2] ، وَمِمَّا يوضحُ هذا المعنى غايةَ الإيضاحِ من القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ [3] : {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: آية 191] بصيغةِ (القَتْل) في الفعلين؛ لأنه لا يُعْقَلُ أن الذي قُتِلَ بالفعلِ يُؤْمَرُ بقتلِ قاتلِه، وَلَكِنَّ المعنى: فإن قتلوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الذي لم يُقْتَلْ [4] . وهذا أسلوبٌ معروفٌ في القرآنِ وفي غيرِه. وإذا عرفتَ هذا فَاعْلَمْ أن بعضَ الكفارِ عَلِمُوا صدقَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الباطنِ، وقلوبُهم مُوقِنَةٌ أنه صَادِقٌ [5] ، كما قال أبو جهل - لَعَنَهُ اللَّهُ - لَمَّا قال له الأخنسُ بنُ شُريق قال له: أنا وأنتَ في خلوةٍ، ليس معنا أحدٌ من قريشٍ، فَأَخْبِرْنِي عن صحةِ ما يقولُه محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) . فقال له أبو جهلٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأعلمُ أنه صادقٌ، وأنه نَبِيٌّ، وَوَاللَّهِ ما كذبَ محمدٌ قطُّ ولا يكذبُ، ولكن كنا نحن وَبَنُو هاشمٍ فَرَسَيْ رِهَانٍ، طعِموا فَأَطْعَمْنَا، وفعلوا
(1) في هذه القاعدة انظر: مجموع الفتاوى (13/ 391 - 398، 15/ 248، 17/ 381 - 382) ، شفاء العليل (96) ، البرهان للزركشي (1/ 326) ، الإتقان (1/ 227) ، أضواء البيان (2/ 8، 120، 6/ 226، 680) .
(2) في هذا المعنى انظر: ابن جرير (1/ 501) ، (2/ 485 - 487، 500) ، (16/ 91) وراجع ما مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.
(3) مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.
(4) انظر: حجة القراءات ص (128) .
(5) انظر: ابن جرير (11/ 331) ، الدر المصون (4/ 604) .