الصفحة 1142 من 1487

قوله: (إذا خرج...) أي: إذا توجه من المدينة مسافرًا قاصدًا هذه المسافة، وليس المراد أنه لا يقصر في سفره الطويل إلا إذا بلغ هذه المسافة؛ لأن أنس بن مالك رضي الله عنه أجاب به من سأله عن خروجه من البصرة إلى الكوفة: أيقصر الصلاة؟ وقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته؛ يعني وإن لم يتجاوز ثلاثة أميال أو فراسخ [ (1154) ] .

قوله: (ثلاثة أميال) جمع ميل، وهو مسافة مد البصر، وسميت الأعلام التي توضع في الطرق أميالًا؛ لأنها توضع على مقادير مدّ البصر من الميل إلى الميل، والميل: أربعة آلاف ذراع، والذراع: 46.2سم، وأما الفرسخ: فهو ثلاثة أميال، وثلاثة فراسخ: تسعة أميال.

فعلى القول بأن الميل أربعة آلاف ذراع، يكون الميلُ = 1848 مترًا، وثلاثةُ الأميال = 5.544 كيلومتر.

وقد حصل الشك من الراوي وهو شعبة، والاحتياط هو الأخذ بالفراسخ؛ لأنها أكثر، ولحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين [ (1155) ] ، وذو الحليفة: تبعد عن المدينة حوالي ستة أميال، كما ذكر الحافظ [ (1156) ] .

الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج مسافة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، وقد نسب الحافظ الأخذ بهذا الحديث إلى الظاهرية [ (1157) ] ، مع أن ابن حزم ذكر أن مسافة القصر ميل واحد [ (1158) ] ، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ليس فيه دليل على المنع من القصر فيما هو أقل من ثلاثة أميال.

وقد اختلف العلماء في المسافة التي يصدق على صاحبها أنه مسافر شرعًا ليأخذ برخص السفر، على أقوال كثيرة، بلغت قريبًا من عشرين قولًا.

ولعل سبب الخلاف أمران:

الأول: إطلاق لفظ السفر في القرآن والسنة حيث لم يحدد ذلك في مسافة معينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت