الصفحة 1143 من 1487

الثاني: اختلاف المسافات والمدد التي قصر فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك الاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم.

فذهب الجمهور، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن مسافة القصر أربعة برد [ (1159) ] ، وهي مسافة يومين، واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما الآتي ـ إن شاء الله ـ، وبفعل ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم [ (1160) ] ، لكن ورد عنهما ما يخالف ذلك، كما ذكر ابن قدامة [ (1161) ] ، ثم إن ذلك مخالف لظاهر القرآن وسنة النبي صلّى الله عليه وسلّم، واختلف في تحديدها بالكيلو، لكن على القول بأن الميل = 1848 مترًا، والبريد أربعة فراسخ، 4×4 = 16×3 ميل = 48 ميلًا×1848 = 88.704 كيلومتر.

والقول الثاني: أن مسافة القصر ثلاثة أميال، كما تقدم.

والقول الثالث: أن السفر لا يحدد بمسافة معينة، بل كل ما يسمى سفرًا في العرف تقصر فيه الصلاة، وما ورد من ذكر مسافات معينة ـ كحديث الباب ـ فهو من باب التمثيل لا التحديد، قال ابن تيمية: (وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل) [ (1162) ] ، واختاره ابن قدامة [ (1163) ] ، وابن القيم [ (1164) ] ، ومما يؤيد ذلك:

1 ـ أن الله تعالى قال: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء: 101] ، فدلت الآية على إباحة القصر لمن كان ضاربًا في الأرض ـ والضرب في الأرض: هو المشي فيها لقطع المسافة ـ والشرع لم يحدد مقدار الضرب في الأرض مع حاجة الناس إلى ذلك، وليس له حد في اللغة يرجع إليه، فدل على أنه يرجع فيه إلى العرف.

2 ـ أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، لا سيما وأنه ليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، وما ورد في ذلك مختلف، وبعضه يعارض بعضًا، وما كان كذلك فلا حجة فيه، إذ ليس الأخذ ببعضه بأولى من البعض الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت